EL-sew3a



 
الرئيسيةشبكة السوعهمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول

شاطر | 
 

 تفسير القران الكريم كامل

اذهب الى الأسفل 
انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6 ... 10, 11, 12  الصفحة التالية
كاتب الموضوعرسالة
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   الخميس أكتوبر 30, 2008 11:18 pm

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
98
ثم استثنى سبحانه من هؤلاء مَن لا يتمكن من المهاجرة فإنه ليس مكلّفاً وإنما أمره الى الله تعالى ((إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ )) الذين إستضعفهم الكفار في بلادهم ((مِنَ الرِّجَالِ )) العجزة ((وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ )) وهاتان الطائفتان في طبيعتهم العجز عن الفرار والهجرة ((لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً ))، أي علاجاً لأمرهم وفكّاً لأنفسهم عن سُلطة المشركين ((وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً)) للفرار والهجرة.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
99
((فَأُوْلَئِكَ )) العاجزون من المستضعفين ((عَسَى اللّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ ))، أي لعل الله سبحانه يغفر لهم ذنبهم، ودخول "عسى" في مثل هذه الآية للدلالة على كون الأمر بيد الله سبحانه وأنه كان قادراً أن يأمرهم بما يحرجهم من وجوب خروجهم وإظهار دينهم وإن بلغ الأمر ما بلغ ولا يُقال إن كان المراد بالمستضعفين الكفار فكيف يُعفى عن الكفر؟ لأن الدليل العقلي والنقلي قد دلّ على إمتحان الضعفاء والعجزة والبَلَه ومن إليهم في الآخرة، وذلك بخلاف الكافر المعاند الذي مصيره النار حتماً ((وَكَانَ اللّهُ عَفُوًّا )) يعفوا عمن يشاء ((غَفُورًا)) يغفر الذنوب، ولعل الفرق بين العفو والغفران أن العفو غفران بلا ستر والغفران عفو مع الستر فإنّ عدم العقاب لا يلازم الستر.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
100
وقد يمنع عن الهجرة خوف أن لا يجد الإنسان في محله الجديد ما يلائم مسكنه ومكسبه، ولكنه ليس إلا توهّماً فإن الأرض واسعة والكسب ممكن في كل مكان ((وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللّهِ)) لأمره سبحانه ومن أجله ((يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا )) المراغم مصدر بمعنى المتحول وأصله من الرغام وهو التراب ((وَسَعَةً ))، أي في الكسب وسائر شؤون الحياة ((وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا )) يهاجر وطنه ومحله ويقطع عنه ((إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ )) والهجرة الى الله بمعنى محل أمره والهجرة الى الرسول أما حقيقي كما في زمان حياته (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وأما مجازي كما إذا هاجر الى بلاد الإسلام حسب أمر الرسول ((ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ ))، أي يموت في طريقه ((فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللّهِ )) لأنه خرج في سبيله وحسب أمره فأجره وثوابه عليه سبحانه ((وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا )) يغفر ذنوب المهاجر ((رَّحِيمًا)) يرحمه بإعطائه الثواب، وفي الحديث : "من فرّ من أرض الى أرض وإن كان شبراً من الأرض إستوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد عليهما السلام"، وقد ورد في بعض التفاسير أن السبب في نزول هذه الآية أنه لما نزلت آيات الهجرة سمعها رجل من المسلمين كان بمكة يسمى "جندب بن حمزة" فقال : والله ما أنا مما استثنى الله أني لأجد قوة وأني لعالم بالطريق، وكان مريضاً شديد المرض فقال لبنيه : والله لا أبيت بمكة حتى أخرج منها فإني أخاف أن أموت فيها، فخرجوا يحملونه على سرير حتى إذا بلغ التنعيم مات فنزلت الآية.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
101
ولما أمر سبحانه بالجهاد والهجرة بيّن كيفية الصلاة في السفر والخوف إشفاقاً على الأمة ورحمة بهم وتفضلاً عليهم، والآية وإن كانت ظاهرة في الخوف فقط لأنه سبحانه قال "إن خِفتم" لكن القيد غالبي في ذلك الزمان عند نزول الآية، وإنما الإعتبار بالضرب في الأرض وقد كثر في القرآن الحكيم مع إن كونهن في حجورهم غير شرط وكقوله (ولا تُكرهوا فتياتكم على البِغاء إن أردتن تحصّناً) وغيرهما ((وَإِذَا ضَرَبْتُمْ ))، أي سافرتم أيها المسلمون ((فِي الأَرْضِ )) ومن المعلوم إشتراط السفر بأمور أُخر مذكورة في الكتب الفقهية ((فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ )) ليس لفظ "ليس عليكم جُناح" للإباحة كما هو ظاهر منه بل في مقام دفع توهّم الحضر كقوله (فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطّوّف بهما) فقد كان التمام واجباً، وفي السفر حيث يتوّهم بقائه على الوجوب نفى سبحانه وجةبه وأجاز القصر، وذلك لا ينافي وجوب القصر على ما دلّ الدليل عليه، والمراد بالقصر تنصيف الرباعية بأن يصلّي الظهر والعصر والعشاء ركعتين فإذا تشهّد التشهّد الوسط سلّم ولم يقم للركعتين الباقيتين، أما الصبح والمغرب فتبقيان على ما كانتا عليه ((إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ ))، أي خفتم فتنة الذين كفروا والفتنة العذاب والقتل وما أشبه، فإنهم إذا أرادوا الصلاة أربعاً طال الأمد عليهم وأمكن أن يهجمهم الكفار ويعذبوهم أو يقتلوهم فمنّ الله عليهم بالتقصير ليقلّ الأمد ولا يبقى للكفار -في ساحة الحرب- مهلة ينتهزونها للهجوم، ولصلاة السفر والخوف والمطاردة تفصيل مذكور في الكتب الفقهية، ((إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ )) ليس معنى "كان" الماضي بل مجرد الربط في مثل (كان الله عليّا) وما أشبهها ((لَكُمْ )) أيها المسلمون ((عَدُوًّا مُّبِينًا))، أي واضحاً لظهور عداوتهم للمسلمين فإذا لم تقصروا من الصلاة إنتهزوا مدة إشتغالكم بها فرصة لفتنتكم.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
102
ثم بيّن سبحانه صلاة الخوف إذا أرادوا أن يصلّوها جماعة فإن المجاهدين ينقسمون الى طائفتين : طائفة تقتدي بالإمام وطائفة تبقى في الميدان، فإذا سجد الإمام السجدتين من الركعة الأولى تقوم الطائفة المقتدية للركعة الثانية وتأتي بها فرادى وتتشهّد وتسلّم والإمام بعد لم يركع، فتذهب هذه الطائفة الى الميدان وتأتي الطائفة الثانية وتقتدي بالإمام في الركعة الثانية حتىإذا جلس الإمام للتشهّد قامت وأتت بالركعة الثانية فرادى ولحقت بالإمام في التشهّد وأتمّت الصلاة معه فتطول صلاة الإمام بمقدار صلاتيهما ((وَإِذَا كُنتَ )) يارسول الله ((فِيهِمْ )) فيمن ضرب في الأرض لأجل الجهاد، ومن المعلوم أن الحكم لا يخص الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بل هذا عام لكل إمام في المجاهدين يريدون الصلاة جماعة ((فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ )) ((فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ )) يقتدون بك في الصلاة وتقوم طائفة ثانية من المجاهدين في وجه العدو ((وَلْيَأْخُذُواْ ))، أي الطائفة الذين يصلّون معك ((أَسْلِحَتَهُمْ )) لئلا يستسهل أمرهم العدو فيهجم عليهم ويكونون عُزّلاً فيحرج موقفهم، وقد استثنى من كراهة حمل السلاح في الصلاة هذا الموضع ولم يبيّن أخذ الطائفة المقاتلة إسلحتهم لوضوح ذلك ((فَإِذَا سَجَدُواْ)) وقمت أنت ااركعة الثانية أتمّوا صلاتهم فرادى وذهبوا مكان الطائفة المقاتلة وهذا المراد بقوله سبحانه ((فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ )) وإنما قال بصيغة الجمع ولم يقل "من ورائك" باعتبار صلاة الطائفة الثانية مع الإمام، وهذا لا ينافي قوله بعد ذلك "ولتأتِ طائفة أخرى" إذ المراد كونهم وراء المصلّين باعتبار الأول ((وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ )) وهم الذين كانوا في الميدان ((فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ))، أي ليكونوا حذرين متأهبين للقتال آخذين اسلحتهم، ولعل إضافة كلمة "حذر" هنا بخلاف الجملة الأولى أن هجوم العدو على هؤلاء أقرب من هجومهم على الطائفة الأولى لأنه بمجرد الإنقسام الى الطائفتين وانسحاب طائفة من الحرب لأجل الصلاة لا يدرك العدو الأمر، ولذا لا يأخذ إستعداده الكامل للهجوم -بظن كون الجميع في حال القتال- بخلاف الأمر إذا طال الأمد وتبيّن الأمر وأن قسماً من المسلمين رفعوا أيديهم عن الحرب لأجل الصلاة، وإنما حكم بانقسام الجيش طائفتين لما بيّنه سبحانه بقوله ((وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ )) من المحاربين لكم، أي تمنّوا ((لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ)) فلا تحملوها ((وَأَمْتِعَتِكُمْ )) فتبتعدون عنها ((فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً ))، أي يحملون عليكم جملة واحدة وأنتم متشاغلون بأجمعكم بالصلاة فيقضون عليكم قضاءً حيث أصابوكم على غرّة بلا سلاح يقيكم ولا متاع يمدّكم، ولذا فقد أُمروا بأن ينقسموا طائفتين حالة الصلاة ويحملوا أسلحتهم وهم في الصلاة ((وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ ))، أي لا حرج ولا إيجاب لحمل السلاح ((إِن كَانَ بِكُمْ )) أيها المجاهدون الذين تريدون الصلاة جماعة ((أَذًى )) وصعوبة ((مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ )) فلا تحملوها في حال الصلاة للإستراحة بقدر الصلاة من ثقل السلاح، أما المريض فواضح أذيّة السلاح له، وأما المطر فلأن هطوله يُثقل على الإنسان فإذا إجتمع مع السلاح كان أثقل وأتعب، وهكذا بالنسبة الى حمل الدرع الوحل حال السجود ونحو ذلك ((وَ)) لكن إذا وضعتم سلاحكم لجهة الأذى فـ ((خُذُواْ حِذْرَكُمْ ))، أي احترسوا عن هجوم الكفار حتى إذا هاجموكم تكونون على إستعداد لا أن تكونوا غافلين ((إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ ))، أي هيّء لهم ((عَذَابًا مُّهِينًا))، أي يذلّهم عذاباً في الدنيا بأيديكم وفي الآخرة بالنار والجحيم، قال في المجمع : وفي الآية دلالة على صدق النبي وصحّة نبوّته وذلك أنها نزلت والنبي بعسفان والمشركون بضجنان فتوافقوا فصلّى النبي وأصحابه صلاة الظهر بتمام الركوع والسجود فهمّ المشركون بأن يُغيروا عليهم فقال بعضهم أن لهم صلاة أخرى أحبّ إليهم من هذه -يعنون صلاة العصر- فأنزل الله عليه هذه الآية فصلّى بهم العصر صلاة الخوف.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   الخميس أكتوبر 30, 2008 11:20 pm

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
103
((فَإِذَا قَضَيْتُمُ ))، أي أدّيتم أيها المجاهدون ((الصَّلاَةَ )) المأتي بها على نحو الخوف ((فَاذْكُرُواْ اللّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا ))، أي في حال كونكم قائمين وقاعدين، وهما جمعان لقائم وقاعد ((وَعَلَى جُنُوبِكُمْ ))، أي في حال الإضطجاع ((فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ )) وذهب الخوف ((فَأَقِيمُواْ الصَّلاَةَ )) كاملة بحدودها وشروطها ((إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا ))، أي كُتبت كتاباً بمعنى فُرضت فريضة ((مَّوْقُوتًا))، أي ذات وقت محدود لأدائها.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
104
ثم كرّر سبحانه الحثّ على لزوم الجهاد فقال ((وَلاَ تَهِنُواْ )) من وَهَن يهن بمعنى ضعف، أي لا تضعفوا ولا تكاسلوا ((فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ ))، أي طلب الكفار ومحاربتهم ((إِن تَكُونُواْ )) أنتم أيها المسلمون ((تَأْلَمُونَ )) مما ينالكم من الجرح والمشقة في الحرب ((فَإِنَّهُمْ ))، أي القوم الكفار ((يَأْلَمُونَ )) مما ينالهم من الجرح والمشقة ((كَمَا تَأْلَمونَ )) فكلاكما سواء في التألّم ((وَتَرْجُونَ)) أنتم أيها المؤمنون ((مِنَ اللّهِ ))، أي من قِبَل الله سبحانه الفتح والظفر والثواب ((مَا لاَ يَرْجُونَ)) هم فأنتم أولى وأحرى أن تطلبوهم وتجدوا في قتاالهم من أولئك حيث ليس لهم وعد بالنصر ولا بالثواب ((وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا )) بكم فأنتم بعلم الله سبحانه -كما تعتقدون- وهم وإن كانوا بعلم الله لكنهم لا يعتقدون بذلك ((حَكِيمًا))فأوامره ونواهيه عن تدبير وتقدير، ورد أن المسلمين قالوا يوم أُحُد للمشركين : لا سواء قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار، فقال أبو سفيان : نحن لنا العُزّى ولا عُزّى لكم، فقال النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للمسلمين : (قولوا الله مولانا ولا مولى لكم)، فقال أبو سفيان : أُعلُ هُبَل -بعد ما رفعوه فوق فرس وأخذوا يتظاهرون حوله، فقال رسول الله للمسلمين : (قولوا الله أعلى وأجل)، وروى القمّي أن الآية نزلت بعد رجوع النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من واقعة أُحُد فإن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لما رجع الى المدينة نزل جبرئيل (عليه السلام) فقال : يامحمد إن الله يأمرك أن تخرج في أثر القوم ولا يخرج معك إلا من به جراحة، فأقبلوا يضمدون جراحاتهم ويداوونها على ما بهم من الألم والجراح.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
105
وذكر جملة من الأحكام المتعلقة بالحرب والجهاد يرجع السياق الى ما تقدّم من لزوم العدل في الحكم كما قال (إنّ الله يأمركم أن تؤدّوا الأمانات الى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل) فإن الجهاد لم يُشرّع إلا للعدل، والنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لم يُبعث إلا لإقامة العدل ((إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ )) يارسول الله ((الْكِتَابَ بِالْحَقِّ ))، أي إنزالاً مقارناً بكونه بالحق فإن الإنزال قد يكون بالباطل إذا كان من غير المستحقّ وبما هو باطل ((لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللّهُ )) من الشريعة العدلة ((وَلاَ تَكُن )) يارسول الله ((لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا))، أي لأجل الخائنين خصيماً على الأبرياء بمعنى لا تأخذ جانب الخائن على البريء فتُعطي الحكم للمجرم.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
106
((وَاسْتَغْفِرِ اللّهِ ))، أي أُطلب غفرانه، وهذا تنبيه للأمة حيث يريدون القضاء، فإنّ القضاء يحتاج الى ستر الله سبحانه حتى لا يزلّ القاضي ((إِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا)) يستر العيوب ويرحم المسترحم، وقد ورد في سبب نزول هاتين الآيتين وما بعدهما ما مجمله أن بني أُبيرق المسمون بشيراً ومبشراً وبشراً وكانوا منافقين نقّبوا على عم قتادة بن النعمان فأخرجوا طعاماً وسيفاً ودرعاً، فشكى قتادة ذلك الى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال بنو أبيرق : هذا عمل لبيد بن سهل، وكان لبيد مؤمناً فخرج عليهم بالسيف وقال : أترمونني بالسرق وأنتم أولى به منّي وأنتم المنافقون تهجون رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وتنسبون الهجاء الى قريش، فداروه ثم جاء رجل من بني أبيرق وكان منطقياً بليغاً الى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال : إن قتادة عمد الى أهل بيت منّا اهل شرف وحسب ونسب فرماهم بالسرق، فاغتمّ رسول الله وعاتب قتادة عتاباً شديداً، فاغتمّ قتادة وكان بدرياً، فنزلت الآيات تبرّئ قتادة وتُدين بني أبيرق، فبلغ بشير ما نزل فيه من القرآن -وأنه الخائن- فهرب الى مكة وارتدّ كافراً.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
107
((وَلاَ تُجَادِلْ )) يارسول الله، وكون النهي للرسول لا ينافي مقام العصمة، إذ النواهي تتوجّه الى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما تتوجّه الى سائر المسلمين، والأوامر تعنيه كما تعني غيره ((عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ )) إختان بمعنى خان، أي لا تخاصم عن طرف الخائنين الذين يخونون ((أَنفُسَهُمْ )) فإن الإنسان إذا صرف نفسه في المعصية فقد خانه لأنها وديعة يجب أن تُردّ، وردّها بصرفها في الطاعة شيئاً فشيئاً حتى ينتهي الأمد ويأتي الأجل ((إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا)) هو فعّال من الخيانة ((أَثِيمًا))، أي عاصياً، ومعنى "لا يحب" يكره لأنه لا واسطة فالعاصي مكروه والمطيع محبوب.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
108
((يَسْتَخْفُونَ )) من "استخفى" بمعنى كتم، أي يكتمون أعمالهم السيئة ((مِنَ النَّاسِ )) فإن السُرّاق في قصة بني أبيرق كانوا يكتمون عملهم من الناس خوف الفضيحة ((وَلاَ يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللّهِ ))، أي لا يكتمون عملهم الإجرامي من الله، ومعنى الإستخفاء من الله عدم العمل لا العمل مكتوماً عنه، إذ لا يخفى عليه سبحانه خافية، وإنما جاء لفظة "يستخفون" للمقابلة نحو (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) ((وَهُوَ مَعَهُمْ ))، أي والحال أن الله تعالى معهم بالإحاطة والعلم فهو يعلم أقوالهم وأعمالهم ((إِذْ يُبَيِّتُونَ ))، أي يدبّرون بالليل ((مَا لاَ يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ )) فإن أبناء أبيرق دبّروا بالليل أقوالاً وطبخوها ليتظاهروا بتلك الأقوال عند الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والمسلمين ((وَكَانَ اللّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا)) فهو مطّلع على أقوالهم محيط بأعمالهم، ومعنى الإحاطة العلم الشامل بحيث لا يفوته شيء كالمحيط بالشيء الذي لا يخرج منه جانب من جوانب الشيء المُحاط.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   الجمعة أكتوبر 31, 2008 10:08 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
109
((هَاأَنتُمْ )) "ها" للتنبيه هنا، وفي "هؤلاء" ((هَؤُلاء ))، أي أنتم الذين دافعتم و((جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ))، أي عن أولئك المجرمين الذين سرقوا ((فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا )) هنا حيث يمكن الإخفاء والمجادلة بما يظن الناس أنه حق وفي الواقع باطل ((فَمَن يُجَادِلُ اللّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) إستفهام إنكاري، أي ليس هنالك من يجادل عن جانبهم في محضر عدل الله سبحانه الذي يطّلع على السرائر والواقعيات ((أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً)) يتوكّل عنهم في إنقاذهم من عملهم الذي صنعوه خُفية، والإستفهام في معنى الإنكار، أي ليس هناك وكيلاً يدافع عنهم، ولعل الفرق بين "من يجادل" و"من يكون" أن المجادل لا يلزم أن يكون وكيلاً فقد يوكل الإنسان من يدافع عنه وقد يدافع عنه شخصياً تبرعاً.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
110
ثم بيّن سبحانه أن لا يأس من روح الله وأن الآثم لا يظن أنه إنقطعت الصلة بل باب التوبة مفتوحة ((وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا )) باتيان معصية تتعداه الى غيره كالزنا والسرقة ((أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ )) بمعصية لا تتعجاه كشرب الخمر وترك الصلاة، ومن المعلوم أن كل ظلم للنفس وكل سوء ظلم، لكن حيث تقابلا في التعبير فرّقنا بينهما بما لعله المستفاد من السياق ((ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللّهَ )) يطلب غفرانه بما أمر من التوبة والتدارك إن كان العصيان له تدارك ((يَجِدِ اللّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا)) يغفر ذنبه ويتفضّل عليه بالرحمة والمنّ.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
111
((وَ)) لا يظن الآثم أنه أضرّ الغير وربح بنفسه بل بالعكس فإنه ((مَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ )) إذ كل خير يفعله الإنسان يعود الى نفسه، وكل عصيان يأتي به يعود على نفسه (وإنما تُجزون ما كنتم تعملون) ((وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا )) بما يكسبه الإنسان ((حَكِيمًا)) في عقابه وثوابه يضع الأشياء مواضعها، فلا يظن أحد أنه يعصي ثم يفرّ من عدل الله أو أنه ما الفائدة من الخير الذي لا يعود نفعه إليه أنه سبحانه حكيم، وقد تقدّم أن الحكمة وضع الأشياء مواضعها.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
112
((وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا )) لعل الفرق بينهما كون الأول لا عن عمد والثاني عن عمد، وهذا الفرق إنما هو في المقام حيث تقابلا وإلا فالخطيئة تُطلق على كل إثم ((ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا )) من رمى يرمي، أي ينسب ذنبه الى إنسان بريء -كما سبق في قصة ابن أبيرق- ((فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا ))، أي إثم البهتان وهو النسبة الى الناس كذباً ((وَإِثْمًا مُّبِينًا))، أي معصية واضحة، فهو يتحمّل إثمين إثم العمل وإثم البهت، وهذا لا ينافي ما احتملناه في الخطيئة إذ الخطأ ينقلب إثماً إذا تمادى الإنسان في توابعه ولم يتداركه.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
113
في بعض التفاسير أن وفداً من ثقيف قدموا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وقالوا : يامحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) جئناك نُبايعك على أن لا نكسر أصنامنا بأيدينا وعلى أن نمتّع بالعزّى سنة، فلم يقبل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) طلبهم وإنما قَبِلَ منهم الإسلام بجميع شرائطه فأنزل الله سبحانه ((وَلَوْلاَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ )) بتأييدك من لدنه وتثبيتك على الصحيح الحق ((لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ ))، أي قصدت وأضمرت جماعة من هؤلاء -والضمير عائد الى المقدّر نحو (لأبيه لكل واحد منهما السُدُس) ((أَن يُضِلُّوكَ )) بأن تُجيز لهم ما أرادوا، وقيل أن الآية من تتمّة قصة إبن أبيرق وما أراده المزكّى من تزكية السرّاق وإلقاء التهمة على البريء ((وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ )) إذ وبال كلامهم يعود الى أنفسهم، فهم يُزيلون أنفسهم عن الحق ويهلكونها لا أنهم يزيلونك ويهلكونك، ثم المراد بقوله "لولا" نفي تأثيرهم أولئك في الرسول لا نفي همهم، فالمراد أنه لولا فضل الله لأضلّوك، لا إن المراد لولا فضل الله لهمّت ((وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ )) فإنهم لا يضرّونك -بكيدهم- في الدنيا لأن الله ناصرك ولا في الآخرة ((وَأَنزَلَ اللّهُ عَلَيْكَ )) يارسول الله ((الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ))، أي علم وضع الأشياء مواضعها وتقدير الأشياء بأقدارها فأنت العالم بالأشياء الحكيم في التطبيق، فكيف يمكن إضلالك -كما هم أولئك- فإن الإضلال لمن لا يعرف الأشياء أو لا يتمكن من وضع الأشياء مواضعها ((وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ )) من الأمور الخارجية عن نطاق الكتاب، فإن الكتاب خاص بعلم بعض الأشياء -حسب الظاهر- ((وَكَانَ فَضْلُ اللّهِ عَلَيْكَ )) يارسول الله ((عَظِيمًا)) وارتباط الآية بما قبلها على القول الأول -أي كونها حول وفد ثقيف- كون القصتين من واد حيث حفظ الله الرسول في قصته السرقة وفي قصة الوفد حتى لا يقول ولا يعمل إلا بالحق.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
114
وبمناسبة الحديث عن المؤامرات التي تجري في السر ويتناجى في شأنها المبيّتون، وحيث أن في مثل هذه القضايا لابد وأن يكثر النجوى وغالبه حول النقد والردّ والطعن، يذكر القرآن حكم النجوى وأنه ((لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ ))، أي حديث بعضهم مع بعض سراً، وذكر "كثير" أما من باب المورد فإنه في مثل الموارد السابقة يكثر النجوى، وأما أن المراد الكثير ممن النجوى لا خير فيه، أما القليل الذي لابد لكل أحد حيث عنده بعض الأسرار التي لا يجب الإعلان بها فلا بأس به لكن الظاهر الأول وإن المفهوم مطلق النجوى كما قال سبحانه (إنما النجوى من الشيطان) ((إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ )) بأي قسم منها من المال على الفقراء أو الوقف أو الإحسان ((أَوْ )) أمر بـ ((مَعْرُوفٍ )) من أبواب البِر الذي يعرفه الناس -ومنه سُمّي المعروف معروفاً مقابل المنكر الذي هو ما ينكره الناس- ((أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ )) فإن الحاجة غالباً تدعوا الى إسرار بهذه الأمور لتكمل ولا يمنع عنها مانع ((وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ))، أي النجوى في هذه الأمور، أو المراد من فعل أحد هذه الأمور ((ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ ))، أي طلب رضاه سبحانه ((فَسَوْفَ )) في القيامة ((نُؤْتِيهِ ))، أي نعطيه ((أَجْرًا عَظِيمًا)) مما لا عين رأت ولا أُذن سمعت ولا خَطَرَ على قلب بشر -كما هو كذلك في كل طاعة-.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   الجمعة أكتوبر 31, 2008 10:14 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
115
وحيث تقدّم في القصتين مخالفة الجماعتين للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فيما أرادوا بيّن سبحانه أن عاقبة المخالفة وخيمة ((وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ ))، أي يخالفه (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ومعنى المشاقّة أي يكون كل واحد في شق غير شق الآخر ((مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى))، أي ظهر له الحق وأن الرسول لا يقول ولا يعمل إلا بالحق -أما من قبل التبيين فالمشاق معذور لعدم تمام الحجة عليه- ((وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ ))، أي غير طريقهم الذي هو دينهم، وهذا أعمّ من الأول وإن كان في مخالفة للدين مشاقّة للرسول بالنتيجة ((نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى ))، أي نخلّي بينه وبين معتقده وعمله فلا نجبره على الرجوع لأن الدنيا للإختبار والإمتحان، والجبر ينافي ذلك كما قال سبحانه (لا إكراه في الدين) ((وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ )) من أصلاه يصليه، أي أدخله النار، أي نتركه في الدنيا على حاله وندخله يوم القيامة النار ((وَسَاءتْ )) جهنم ((مَصِيرًا))، أي محلاً يصير إليه المجرمون.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
116
وبمناسبة ذكر مشاقّة الرسول يبيّن سبحانه أنه لا يأس من رحمة الله تعالى، فمن تاب كان الله غفوراً فإذا أخطأ أحد فليرجع الى الله تعالى ليغفر ذنبه ويتوب عليه ((إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ)) إذا مات مشركاً كما دلّ الدليل ((وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ ))، أي دون الشرك ((لِمَن يَشَاء )) إن تاب وإن لم يتب ذلك رهن إرادته سبحانه، والإرادة ليست إعتباطاً بل حسب النفسيات والأعمال والقابليات وما أشبه ((وَمَن يُشْرِكْ بِاللّهِ ))، أي يجعل له شريكاً ((فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا))، أي عن طريق الحق.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
117
ثم بيّن سبحانه وجه ضلال المشركين بصورة فردية قبيحة فقال تعالى ((إِن يَدْعُونَ ))، أي ما يدعون ويعبدون ((مِن دُونِهِ ))، أي من دون الله ((إِلاَّ إِنَاثًا )) جمع أنثى فإنهم كانوا يعبدون اللات والعزّى ومنات وأساف ونائلة، وكان لكل قبيلة صنم تعبده، وكانوا يسمّون الأصنام أنثى فيقولون أنثى قريش وأنثى تميم، وكان الشيطان يكلمهم منها أحياناً كما أن قسماً منهم كان يعبد الملائكة ويقول أنها بنات الله كما حكى سبحانه عنهم (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) ((وَإِن يَدْعُونَ ))، أي ما يدعون ((إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا))، أي مارداً، فإن المريد والمارد والمتمرد بمعنى واحد وهو العاصي العاتي، وكان عبادتهم للشيطان عين عبادتهم للأصنام إذ هي من صنع الشيطان وأمره فلا يستشكل بأنه كيف يجمع النفيين.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
118
((لَّعَنَهُ اللّهُ ))، أي طرد الله الشيطان عن رحمته وقُربه، فهؤلاء يعبدون ويطيعون المطرود عن رحمة الله ((وَقَالَ )) الشيطان لله سبحانه حين طرده ((لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ ))، أي عبيدك ((نَصِيبًا مَّفْرُوضًا))، أي معلوما، والمراد من إتخاذه لهم إضلالهم وإغوائهم عن الإيمان والعمل الصالح، وقد كان يعلم الشيطان ذلك حين قال له سبحانه (فمن تَبِعَك منهم) و(لأملأنّ حهنّم منك وممن تَبِعَك).
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
119
((وَلأُضِلَّنَّهُمْ )) عن طريق الهداية، وهذا أما عطف بيان لقوله "أتخذنّ" أو المراد من الإختصاص أي أختص بجملة من عبادك فأضلّهم ((وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ )) من الأُمنية، أي أُمنّيهم طول البقاء في الدنيا وحب الرئاسة والمال حتى يعصون ((وَلآمُرَنَّهُمْ )) بالوسوسة والإلقاء في قلوبهم ((فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ )) من بتّك ويبتّك بمعنى قطع يقطع، فقد كان المشركون يقطعون آذان الأنعام علامة على حُرمة ركوبها وأكلها وشرب لبنها، وكان ذلك حراماً إذ هو من المُثلة وقد قال الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (لا يُمثّل ولو بالكلب العَقور) كما إن تحريمهم كان بدعة وتشريعاً محرماً ((وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللّهِ )) من التغيّرات المحرّمة كخصاء العبد وفقئ عين الدابة والتمثيل بالأحياء والأموات وما أشبه ذلك، ومن الآية يُستفاد أن كلّ تغيير في الخلق حرام إلا ما دلّ عليه الدليل،، وبعد ما ذكر سبحانه بعض أقسام أمر الشيطان التي كانت دارجة في ذلك الزمان والى زماننا هذا جعل الكل في إطار عام وأعطى القاعدة الكلية المنطبقة على كل جزئي بقوله سبحانه ((وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا )) يلي أموره ويطيع أوامره ((مِّن دُونِ اللّهِ)) قيد توضيحي للتهويل لا أنه من الممكن الجمع بين إتخاذ الشيطان وإتخاذ الله سبحانه ((فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا))، أي خسراناً ظاهراً.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   الجمعة أكتوبر 31, 2008 10:20 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
120
((يَعِدُهُمْ ))، أي يَعِد الشيطان أوليائه النصر والسعادة إن إتّبعوه ((وَيُمَنِّيهِمْ )) بالأماني الكاذبة الباطلة حتى يركنوا الى الدنيا ويتركوا الآخرة ويرجّحوا الشهوات على الأعمال الصالحة ((وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا)) كل وعده غرور وكذب يغرّ به البسطاء الغافلين.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
121
((أُوْلَئِكَ )) الذين اتخذوا الشيطان ولياً وناصراً ((مَأْوَاهُمْ ))، أي مرجعهم ومحلهم ((جَهَنَّمُ وَلاَ يَجِدُونَ عَنْهَا ))أي عن جهنم -فإنها مؤنثة سماعية- ((مَحِيصًا))، أي مخلصاً ومهرباً من حاص بمعنى عدل وانحرف.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
122
هذا لمن اتخذ الشيطان ولياً، أما من اتخذ الرحمن ولياً ((وَالَّذِينَ آمَنُواْ )) بما يجب الإيمان به من أصول الدين ((وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ))، أي الأعمال الحسنة ((سَنُدْخِلُهُمْ )) قيل أن السين و"سوف" بمعنى واحد، وقيل أن السين للمستقبل القريب وتُستعمل الكلمتان بالنسبة الى الجنة باعتبارين : فباعتبار أن كل آت قريب تُستعمل السين ، وباعتبار فصل البرزخ الطويل تُستعمل "سوف" ((جَنَّاتٍ )) جمع جنّة وهي البستان، سمي بها لكونها مستورة بالأشجار من جنّ بمعنى ستر ومنه الجِن والجنين والجُنّة ((تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ))، أي من تحت أشجارها وقصورها ((خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا )) لا إنقطاع لها ولا زوال ((وَعْدَ اللّهِ حَقًّا ))، أي وعد الله ذلك وعداً في حال كونه حقاً أو متصفاً بكونه حقاً لا خَلَفَ فيه ولا كذب ((وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللّهِ قِيلاً))، أي من حيث القول فهو أصدق القائلين خبيراً ومُخبراً، والإستفهام في معنى النفي، أي لا أصدق من الله، والسبب أن الإنسان مهما أوتي من الصدق فإنه قد يجهل وقد لا يقدر وقد يشتبه والله منزّه عن جميع ذلك.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   الجمعة أكتوبر 31, 2008 10:35 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
123
ثم يبيّن السياق القاعدة الكلية للعمل والجزاء بعد ما بيّن ما لمن أشرك وما لمن آمن، فقال سبحانه ((لَّيْسَ )) أمر الثواب والعقاب والسعادة والخسران ((بِأَمَانِيِّكُمْ )) جمع أُمنيّة بمعنى رغبة النفس، فلا ينال الإنسان خيراً بالأماني فيما إذا كان عمله خلاف ذلك، والخطاب للمسلمين ((وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ )) في المجمع قيل : تفاخر المسلمون وأهل الكتاب فقال أهل الكتاب : نبيّنا قبل نبيّكم وكتابنا قبل كتابكم ونحن أولى بالله منكم، فقال المسلمون : نبيّنا خاتم النبيّين وكتابنا يقضي على الكتب وديننا الإسلام، فنزلت الآية، فقال أهل الكتاب : نحن وأنتم سواء فأنزل الله الآية التي بعدها "ومن يعمل من الصالحات .." ففرح المسلمون ((مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ )) فإن الذي ينفع عند الله هو العمل الصالح أما الأنساب والأحساب وما أشبه فلا تنفع إلا بقدر يرجع الى العمل أيضاً كما قال (صلّى الله عليه وآله وسلّم) : (المرء يُحفظ في ولده) ولذا من عَمِل سيئاً جُزي به، وبما ذكرنا تبيّن أن حفظ نسب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إنما يرجع الى أتعاب النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) والأئمة عليهم السلام ((وَلاَ يَجِدْ )) العامل للسوء ((لَهُ مِن دُونِ اللّهِ )) غير الله ((وَلِيًّا وَلاَ نَصِيرًا))فلا أحد يتولّى أمره وينصره.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
124
ولما كان الأمر محتملاً لأن يشمل أهل الكتاب إذا لم يعملوا سوءاً المفهوم من الآية السابقة، ذكر سبحانه أن من شروط قبول الأعمال الخيّرة الإيمان الكامل ((وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ))، أي بعض الصالحات فإن الصالحات كلها لا يمكن أن يُؤتى بها (( مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى )) ولعل التنصيص هنا لإفادة العموم ولدفع وهم جرى التقاليد الجاهلية التي كانت تقضي بأكل الرجال ثمار الأعمال الطيبة للنساء وحرمان النساء عن الحقوق ((وَهُوَ مُؤْمِنٌ )) -بما في الكلمة من معنى- لا إيمان ببعض الأصول دون بعض ((فَأُوْلَئِكَ )) العاملون المؤمنون ((يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلاَ يُظْلَمُونَ نَقِيرًا))، أي قدر نقير وهو النكتة الصغيرة المنخفضة في ظهر النواة التي منها ينبت.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
125
ثم بيّن سبحانه فوائد الإيمان ومزاياه وأنه أحسن من جميع الطرق والمذاهب ((وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا )) الدين هو الطريقة التي يسلكها الإنسان في حياته لأجل نيل السعادة، والإستفهام في معنى الإنكار، أي ليس أحد أحسن طريقة ((مِّمَّنْ أَسْلَمَ )) وأخضع ((وَجْهَهُ لله )) والمراد بالوجه الذات والنفس، وإنما ذكر الوجه لأن خضوع الوجه كاشف عن خضوع الذات، ومعنى إسلام الوجه الإيمان بالله حيث أنه إعترف به وخضع له ((وَهُوَ مُحْسِنٌ ))، أي يُحسن الأعمال فيتّبع الأوامر والنواهي، وإنما لم يكن أحد أحسن ديناً من هذا الإنسان لأن الإيمان إعتراف بالحقيقة الكبرى، والإحسان عمل بما هو الأصلح إذ ما يقرره الإله العليم الحكيم أحسن مما يقرره البشر الجاهل ذو الطيش والسفاه ((واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ ))، أي طريقته ((حَنِيفًا ))، أي في حال كون إبراهيم (عليه السلام) مستقيماً في الالطريق عقيدة وعملاً، فإيمان وإحسان وإتباع طريقة صحيحة وقد تكرر في الكتاب والسنّة لزوم إتباع إبراهيم (عليه السلام) لأن دينه لم يكن تطرّق إليه التحريف الذي تطرّق الى كتابي الكليم والمسيح (عليهما السلام) بالإضافة الى أن موسى (عليه السلام) وعيسى (عليه السلام) كانا بعد إبراهيم (عليه السلام) وأنه (عليه السلام) بصفته أب المسلمين العرب كان ذكره محفّزاً لهم على الإيمان أنه طريقة جدهم كما قال سبحانه (ملّة أبيكم إبراهيم) ((وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً)) من الخِلّة بمعنى الحب والوِد لإبراهيم (عليه السلام) بإطاعته لله أن صار خليل الله، فما يمنع الناس أن يتّبعوا طريقة إبراهيم كي ينالوا حب الله ورضاه.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
126
وأخيراً فمن الأحسن إتباع طريقه الإله الذي له كل شيء وهو عالم بكل شيء ((وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ )) فهو المالك لكل شيء وإذا أراد الإنسان إتباع طريقة للنفع فليتبّع طريقة من له كل نفع ((وَكَانَ اللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا))، أي حاطة علمية لا يعزب عنه شيء وإحاطة بالقدرة إذا المُحيط بالشيء يقدر عليه.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
127
قد سبق قوله سبحانه (إنا أنزلنا إليك الكتاب بالحق لتحكم بين الناس بما أراكَ الله) وقد سبق الكلام في الآيات التالية حول هذا الموضوع مع شيء من الإستطراد ثم يأتي السياق ليبيّن بعض أحكام النساء فإنه من الحكم بين الناس بما أراه الله سبحانه ((وَيَسْتَفْتُونَكَ )) يارسول الله ((فِي النِّسَاء ))، أي يسألونك الفتوى -وهو تبيين المُشكل من الأحكام- فقد سألوا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) عن الواجب لهنّ وعليهنّ وكيفية معاشرتهنّ ((قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ))، أي في النساء وإنما نَسَبَ الجواب الى الله سبحانه لتقوية إفادة أن الحكم لا يصح إلا من الله سبحانه فليس لأحد أن يحكم إطلاقاً وقد سُأل مثل هذه الأسئلة في غير الأحكام فجاء الجواب بدون النسبة إليه تعالى نحو (يسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي) و(يسألونك ماذا ينفقون) و(يسألونك عن الأهلّة) وهكذا (( وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ )) عطف على "الله"، أي أن الفتوى في باب النساء تأخذونه من الله سبحانه -بما سيأتي- وتأخذونه بما تُليَ عليكم في القرآن -سابقاً- فقد سبق في ابتداء السورة (وإن خِفتم أن لا تُقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء) و(وآتوا اليتامى أموالهم ولا تتبدّلوا الخبيث بالطيب ولا تأكلوا أموالهم الى أموالكم) والحاصل أن الفتوى -أي تبيين مسائل النساء- يأتي فيما يقول الله وفيما سبق، ((فِي يَتَامَى النِّسَاء ))، أي البنات الصغيرات اليتيمات ((الَّلاتِي لاَ تُؤْتُونَهُنَّ ))، أي لا تعطونهنّ ((مَا كُتِبَ لَهُنَّ )) من الصِداق، فقد كان أهل الجاهلية لا تعطي اليتيمة صِداقها لتمنع هذه العادة، فقوله "في يتامى" متعلق بـ "ما يُتلى"، أي تأخذون الفتوى في أمر النساء من الله ومما تلي عليكم سابقاً في باب النساء اليتامى اللاتي تحرمونهنّ عن مهورهنّ ((وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ))، أي تريدون نكاحهنّ لأكل أموالهن، ثم إن قوله "وما يُتلى" بصيغة المضارع للإستمرار لا الإستقبال ((وَ)) ما يُتلى عليكم في ((الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ ))، أي ما تقدّم في باب أمر الأيتام وهو قوله سبحانه "واتوا اليتامى أموالهم" فإنه عام يشمل اليتيمات أيضاً ((وَ)) ما يُتلى عليكم في ((أَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ ))، أي بالعدل كما تقدّم في قوله "وإن خفتم أن لا تقسطوا في اليتامى" والحاصل أنّ الله يُفتيكم وما تقدّم في القرآن من آيات اليتامى يُتيكم، ثم جمع سبحانه الكل في إطار عام فقال ((وَمَا تَفْعَلُواْ )) أيها المؤمنون ((مِنْ خَيْرٍ )) عدل وإحسان بالنسبة الى النساء ((فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا)) يعلمه ويُجازيكم عليه بحسن الثواب.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:14 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
128
ثم توجّه السياق الى بعض أحكام النساء إيفاءً لقوله سبحانه "قل الله يُفتيكم فيهنّ" وذلك حكم النشوز، فقد كانت بنت محمد بن سلمة عند رافع بن خديج وكانت قد دخلت في السن وكانت عنده إمرأة شابة سواها فطلّقها تطليقة حتى إذا أبقى من أجلها يسير قال : إن شئتِ راجعتكِ وصبرتِ على الأثرة وإن شئتِ تركتكِ، قالت : بلى راجعني وأصبر على الأثرة، فراجعها فنزلت ((وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا ))، أي من زوجها ((نُشُوزًا )) إرتفاعاً عليها بأن لا يعاملها معاملة الأزواج بل يعاملها وكأنه أرفع منها ((أَوْ إِعْرَاضًا ))، أي يُعرِض عنها إطلاقاً أو طلاقاً ولقد خافت لظهور إمارات ذلك ((فَلاَ جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا ))، أي على الزوجين ((أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا)) الضمير في "يُصلحا" راجع الى الزوجين، أي يصطلحا فيما بينهما ((صُلْحًا ))، أي نوع من أنواع الصلح الجائز كان، فتتنازل هي عن بعض حقوقها ليبقى النكاح على حاله ولا تحصل الفرقة أو نحوها ((وَالصُّلْحُ )) بينهما ببقاء الزواج والأُلفة ((خَيْرٌ )) من الإفتراق والشقاق ((وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ )) الشُّح البخل وعدم التنازل عن الحقوق ، أي إن الأنفس يخلطها الشُّح فلا هي ترغب أن تتنازل عن بعض حقوقها لتبقى الأُلفة ولا الزوج مستعد لأن يعاشرها معاشرة صالحة لئلا ينتهي الأمر الى الطلاق ((وَإِن تُحْسِنُواْ )) يُحسن أحد الزوجين الى الآخر ((وَتَتَّقُواْ )) فلا تفعلوا ما يوجب سخط الله، فإن الغالب أن يرتكب أحد الطرفين الحرام فيما حدث بينهما إصطدام ((فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)) فيُجازيكم عليه ولا مفهوم للآية بأنه "إن لم تُحسنوا فلا يعلم الله" كما هو واضح بل الشرط أتى به للتحريض والترغيب.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
129
ثم ذكر سبحانه حكم تعدد الأزواج وأنه لا يمكن التسوية بينهنّ في الحب والوداد، فإذا كان الميل القلبي يميل كلياً الى جهة فاللازم حفظ العدالة بين الزوجات لئلا تبقى ببعضهنّ كالمعلّقة ((وَلَن تَسْتَطِيعُواْ )) أيها الرجال -أبداً- ((أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء )) عدالة في المودة والحب فإنه ليس بأيديكم، ولابد أن تكون بعض النساء أقرب الى قلوبكم من بعض ((وَلَوْ حَرَصْتُمْ )) في العدالة القلبية ((فَلاَ تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ )) الى جانب إمرأة من زوجاتكم المتعددة ((فَتَذَرُوهَا))، أي المرأة التي لا تميلون إليها ((كَالْمُعَلَّقَةِ )) التي علقت فلا هي مستريحة بالزوج ولا هي مستريحة بعدم الزوج فيتكون في عذاب وشقوة، وإذا لم يكن باستطاعتكم العدالة فباستطاعتكم عدم الميل الكلي، وقد روي عن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه كان يقسّم بين نسائه ويقول : (اللهم هذه قسمتي فيما أملك فلا تلمني فيما تملك ولا أملك)، وقد ورد أنه سُئل الصادق (عليه السلام) عن الجمع بين هذه الآية وبين وقله (وإن خفتم أن لا تعدلوا فواحدة) فقال : (أما قوله "فإن خفتم ألا تعدلوا" فإنه عني في النفقة وأما قوله "ولن تستطيعوا أن تعدلوا" فإنه عني في المودة فإنه لا يقدر أحد أن يعدل بين امرأتين في المودة) ((وَإِن تُصْلِحُواْ )) بالتسوية في القسمة والنفقة الواجبتين ((وَتَتَّقُواْ )) باجتناب المحرّمات وذلك بترك الميل الكلي الذي نهى الله عنه ((فَإِنَّ اللّهَ كَانَ غَفُورًا )) يغفر ما صدر منكم من الذنوب ((رَّحِيمًا)) يرحمكم بلطفه ويسبغ عليكم فضله.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
130
((وَإِن يَتَفَرَّقَا ))فيما إذا ما اصطلح الزوجان بل طالبت هذه بكل حقوقها وأراد الرجل الميل فخيّرها بين الطلاق والتنازل عن بعض حقوقها فاختارت الطلاق فتفرّقا ووقع الإفتراق ((يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ )) من الزوجين ((مِّن سَعَتِهِ ))، أي سعة فضله ورحمته فليس بابه مرتجاً في وجه أيّ من الطرفين بل الرجل يستغني عن هذه المرأة بإمرأة أخرى وعيش آخر، والمرأة تستغني عن هذا الرجل برجل آخر وسعادة هنيئة، وفي هذه الجملة لفتة مشرقة لجبر إنكسار قلب الطرفين إذ من المعلوم أن كلاً منهما ينكسر قلبه حين الإفتراق ولو كان هو السبب للفراق ((وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا)) في فضله (( حَكِيمًا)) فيما يأمر وينهي ويفعل ويريد، ونسبة السِعة إليه مريداً به السعة في فضله مجاز.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
131
ثم ذكر سبحانه أنه يملك كل شيء فهو يقدر على إغناء الزوجين من فضله ((وَللّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ )) قد تقدّم أن المراد بـ "ما في" الأعم من الظروف والمظروف ((وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ))، أي اليهود والنصارى والمجوس وغيرهم ((مِن قَبْلِكُمْ )) إشارة الى كون الوصيّة لم تزل من القديم ((وَإِيَّاكُمْ ))، أي وصّيناكم أيها المسلمون ((أَنِ اتَّقُواْ اللّهَ ))، أي خافوا عقابه فاعملوا بالأوامر والنواهي ((وَإِن تَكْفُرُواْ )) كفراً في العقيدة بانكار الأصول، أو كفراً في الفروع بالعصيان ((فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ )) فلا يضرّه كفركم ولا ينفعه إيمانكم وعملكم ((وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا )) لا يحتاج الى إيمانكم ولا الى أعمالكم وإنما أنتم تحتاجون الى ذلك ((حَمِيدًا))، أي مستوجباً للحمد عليكم بصنائعه الحميدة.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
132
ثم يؤكد غناه سبحانه وأنّ له كل شيء بقوله ((وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ )) ليس شيء لغيره حتى إذا قطع عنكم رحمته تحصلون على ما تريدون من غيره ((وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً))، أي إنه أحسن وكيل وأكفى وكيل، فلا يحتاج الإنسان الى وكيل آخر إذا وكّله سبحانه في أمره، وقد قيل في وجه التكرير في الآية ثلاث مرات أن الأول لإيجاب طاعته حيث له كل شيء والمالك يجب طاعته على المملوك، والثاني لأن الخلق محتاجون إليه وهو الحميد المطلق فإنّ ذلك لا يكون إلا بمن له كل شيء، والثالث لبيان أنه يكفي توكيله -مطلقاً- فإنّ ذلك لا يكون إلا لمن يملك كل شيء.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
133
((إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ )) أنه في غِنى عنكم وقدرته تعمّكم فناءاً وإيجاداً، فإن أراد أذهبكم وأفناكم وأهلككم ((وَيَأْتِ بِآخَرِينَ )) أُناساً آخرين يوجدهم من العدم ((وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا)) يقدر على إنقاذه.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:14 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
134
ولقد كان المنافقون يتّبعون النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) للغنيمة وللتحفّظ على دنياهم، وحيث تقدّم أن لله ما في السموات والأرض ذَكّرهم بأن الإطاعة توجب خير الدنيا والآخرة فلِمَ لا يسلكون أنفسهم في سلكها ((مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا ))، أي منافعها فإن الثواب من "ثابَ" بمعنى رجع، فإنّ الثواب جزاء العمل الصادر من الإنسان يرجع إليه ((فَعِندَ اللّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ )) إذ يملك الجميع وبيده أزمّة الكل فلِمَ لا يطيعون حتى ينالوا الأمرين ((وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا )) لأقوالهم ((بَصِيرًا)) لأعمالهم.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
135
ولما ذكر سبحانه أن عنده ثواب الدنيا والآخرة عقّبه بالأمر بالعدل وعدم الجور كي ينالوا الثوابين، وقد سبق الأمر بالعدل في قوله "وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل" فقال
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ )) قد تقدّم أن الخطاب إنما خُصّص بالمؤمنين لأنهم المنتفعون السامعون وإلا فالأوامر والنواهي عامة للجميع ((كُونُواْ قَوَّامِينَ )) جمع قوام وهو كثير القيام ((بِالْقِسْطِ)) هو العدل، أي كونوا دائمين في القيام بالعدل بأن تكون عادتكم على ذلك قولاً وعملاً، ولعل في ذلك إشارة تنبيه على ما اعتاده الناس من أنهم لابد وأن يزيغوا عن العدل إذا تمادت بهم الأزمان، ولذا نرى من الحكام من يتنزّه عن الجور في أول مرة ثم إذا امتدّ به الزمان زاغ وانحرف ((شُهَدَاء )) جمع شهيد ((لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ ))، أي اشهدوا بالحق -لأجل أمر الله ورضاه- ولو كانت الشهادة في ضرركم ونفع الغير ((أَوِ )) على ((الْوَالِدَيْنِ ))، أي في ضررهما لنفع الغير إذا كان الحق مع الغير ((وَ)) على ((الأَقْرَبِينَ ))، أي من يتقرّب بكم بنسب فلا تميلوا عن الحق لنزوات أنفسكم أو ملاحظة الوالدين أو رعاية الأقربين ((إِن يَكُنْ )) المشهود له أو المشهود عليه ((غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا )) فلا تشهدوا للغني أو للفقير باطلاً مراعاة لغناه أو رعاية لفقره شفقة عليه ((فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا )) أنه سبحانه أولى بالغني والفقير وانظر لحالهما من سائر الناس، ومع ذلك فقد أمَرَكم بالشهادة على الحق فلابد من ملاحظة أمره لا مراعاة الغني لغناه أو الفقير شفقة عليه ((فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى ))، أي هوى النفس في الحكم الجائر ((أَن تَعْدِلُواْ ))، أي لإن تعدلوا، وذلك كقولهم : لا تتّبع هواك لترضي ربك، أو المعنى : لا تتّبعوا الهوى في أن تعدلوا من الحق ((وَإِن تَلْوُواْ )) من لوى يلوي بمعنى الإنحراف، أي أن تنحرفوا أيها المؤمنون -في حال الحكم- عن الحق ((أَوْ تُعْرِضُواْ )) عن الحق إطلاقاً، ولعل الفرق أن الليّ الإنحراف اليسير والإعراض الإنحراف مطلقاً ((فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا)) فيعلم الإنحراف والإعراض ويجازيكم عليهما كما يعلم إقامتكم للحق.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
136
ثم أنه سبحانه بعد أن ذكر لزوم القيام بالقسط بيّن لزوم الإيمان الحقيقي عن قلب وعقيدة الذي لا يكون القيام بالقسط إلا إذا توفّر في الإنسان ذلك الإيمان ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ )) في الظاهر فإن الخطاب موجّه الى كل من أظهر لا إله إلا الله محمد رسول الله، ومن المعلوم أن كثيراً منهم كانوا مؤمنين لفظاً فقط ((آمِنُواْ )) إيماناً راسخاً من عقيدة وجوانح ((بِاللّهِ وَرَسُولِهِ)) محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((وَ)) آمنوا بـ ((الْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ )) وهو القرآن الكريم ((وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ ))، أي جنس الكتاب، فقد كان من شرائط الإيمان بكتب الله جميعاً ((وَمَن يَكْفُرْ بِاللّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ )) بأن يجحدهم أو يعاديهم أو يُنزلهم عن المنزلة اللائقة بهم ((وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ )) وإن كان بجحد أحد من الرسل أو أحد من الكتب ((وَالْيَوْمِ الآخِرِ )) بأن جحد أو شكّ في المعاد ((فَقَدْ ضَلَّ ضَلاَلاً بَعِيدًا)) عن الحق كمن يضل الطريق ويبعد عنه كثيراً وذلك في قبال من يعمل محرماً أو ما أشبه فإنه قد ضلّ ضلالاً لكن لا بذلك البُعد.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
137
وبعدما ذكر سبحانه لزوم الإيمان واقعاً بيّن حالة أولئك الذين لا يؤمنون إلا سطحاً، ولذا يميلون مع كل جانب قوي فإذا قوى الإسلام آمنوا فإذا ضعف كفروا، وهكذا يتراوحون بين الإيمان والكفر حتى يموتوت وهم كفّار لتغلّب الطبيعة الكافرة فيهم ((إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ )) أما كفراً باللفظ أو بالقلب، فإن كثيراً من الأشخاص الذين يقدمون على الإيمان يقدمون عليه سطحياً وبمجرد هبوب ريح يكفرون قلباً وإن بقوا في الظاهر مؤمنين ((ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ )) وهذا من باب المثال وإلا فليس للتكرر أربع مرات مزية لا توجد في المرتين أو في الست أو ما أشبه ((ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا )) بأن تطبّعت قلوبهم بالكفر فلم يؤمنوا ((لَّمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ )) لأنهم بقوا كافرين و('ن الله لا يغفر أن يُشرك به) ((وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً))، أي طريقاً الى الجنة والخلاص كما قال سبحانه (ليهديهم طريقاً إلا طريق جهنم) ويحتمل أن يكون المعنى أنه يخذلهم في الدنيا ولا يلطف بهم عقوبة لهم على كفرهم فلا يهتدون الى الحق بعد ما تكرر منهم الإيمان والكفر.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
138
((بَشِّرِ )) يارسول الله ((الْمُنَافِقِينَ )) الذين هم يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر -خلافاً لما تقدّم من قوله (ياأيها الذين آمنوا آمِنوا)- والبشارة هنا مجاز للإستهزاء كما يُقال للزنجي كافور ((بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)) يؤلمهم جسدياً ونفسياً، ولعل هذه الآية تدل على كون الآية المتقدمة في شأن المنافقين، وأن المراد بالكفر الكفر القلبي الذي كانوا يتراوحون بين الإذعان والكفر مع التحفّظ على ظاهرهم في الإيمان.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
139
وبمناسبة النفاق ذكر سبحانه أظهر ميزات المنافق، فقال ((الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء )) وأحباء عن صميم قلبهم ((مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ))، أي لا يتخذون المؤمنين أولياء بل يعاملونهم معاملة ظاهرية فقط لتأمين حياتهم وإنما قلوبهم مع الكفار وميلهم إليهم ((أَيَبْتَغُونَ ))، أي هل يطلبون ((عِندَهُمُ ))، أي عند الكفار ((الْعِزَّةَ )) الدنيوية، فإن الغالب أن المنافق إنما ينافق تحفظاً على دنياه -أي على عزته المزعومة التي يجدها في ضلال الكفر وبمؤاخات وصداقة الكافرين- ((فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا)) إذ بيده الدنيا بجميع ما فيها فلو آمنوا حقيقة لكان لهم من العزّة ما ليس للمنافقين لأن دنياهم تعمر بالإضافة الى عزّتهم الظاهرية عند المؤمنين فإنّ المنافق منفور لا عزّة له عند الكتلة المؤمنة.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:15 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
140
ثم ذكر سبحانه خصلة أخرى للمنافقين، فقد كانوا يُجالسون أهل الكتاب فيسخر أولئك من القرآن والرسول، والمنافقون ساكتون حيث يوافقونهم قلباً بخلاف المؤمنين الذين لم يكن أهل الكتاب يجرأون لمثل ذلك أمامهم، وهذا صفة المؤمن والمنافق في كل زمان ((وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ ))، أي في القرآن في سورة الأنعام قوله (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره) بمعنى أنه إذا خاضوا في غيره حال مجالستهم ((أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ )) أيها المسلمون ((آيَاتِ اللّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا )) والفرق بينهما واضح فإن الكفر بها والإستهزاء بها التمسخر منها ((فَلاَ تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ )) بل قوموا واذهبوا ((حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ )) الخوض في الحديث الدخول فيه كالخوض في الماء، و"حتى" للغاية وهي غير داخلة في المعنى، يعني يجوز لكم مجالستهم إذا خاضوا في حديث غير الكفر بالآيات والإستهزاء بها ((إِنَّكُمْ )) أيها المسلمون إذا جالستم الكفار وهم يكفرون ويستهزؤون ((إِذًا مِّثْلُهُمْ )) حيث لم تنكروا عليهم مع قدرتكم على الإنكار، ومن رضِيَ بعمل قوم قلباً أو تظاهراً فهم منهم ((إِنَّ اللّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ )) الذين أبطنوا الكفر ((وَالْكَافِرِينَ )) الذين أظهروا الكفر ((فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا)) لأن كليهما كافر وإن كان في الظاهر تجري أحكام الإسلام على المنافق.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
141
ثم وصف سبحانه المنافقين بما هي السمة الظاهرة لهم في كل حال وزمان ((الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ )) التربّص الإنتظار، يعني أنهم ينتظرون لأموركم ويراقبون أحوالكم ((فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ )) بالظفر والغَلَبة والغنيمة ((قَالُواْ ))، أي أولئك المنافقون ((أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ )) أيها المؤمنون، فإنّا آمنّا وغزونا وصلّينا وعملنا تحت لواء الإسلام يريدون بذلك التحفّظ على أنفسهم في مستوى المؤمنين جاهاً واغتناماً ((وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ )) بأن تقدّم الكفار أو دارت الدائرة على المؤمنين ((قَالُواْ )) أولئك المنافقون للكافرين الذين كان لهم نصيب ((أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ ))، أي نسيطر عليكم ونرشدكم مواقع صلاحكم ((وَنَمْنَعْكُم مِّنَ )) بأس ((الْمُؤْمِنِينَ )) بدلالتكم على مواقع الهَلَكة، وكنّا نُلقي الرعب في قلوب المؤمنين منكم حتى نلتم أيها الكافرون ما نلتم بسببنا، ولذا فلنا ما لكم يريدون بذلك تشريك أنفسهم في جاه الكفار وأرباحهم ((فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ )) أيها المسلمون الذين فيكم المُخلص والمنافق (((يَوْمَ الْقِيَامَةِ )) حتى يميّز بينكم ويعطي كلاًّ جزائه، ثم لا يظن المسلمون أنّ المنافقين يتمكنون بنفاقهم أن يُحدثوا ثغرة فيهم فإن الكافر لا يسلّط على المؤمن أبداً لا في الحجة ولا في غيرها ما دام المؤمنون ملتزمون بشرائط الإيمان عقيدة وعملاً ((وَلَن يَجْعَلَ اللّهُ )) أبداً ((لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً))، نعم إذا خرج المؤمنون عن شرائط الإيمان عقيدة أو عملاً صار للكفار عليهم سبيل، وقد نرى في طول التاريخ أنه لم يغلب الكفار على المؤمنين إلا إذا خرج المؤمنون عن طاعة الله ورسوله كما رأينا في قصة أُحُد حين ترك الرماة مواقفهم، وهذا لا ينافي تسلّط بعض أفراد الكفار على بعض أفراد المؤمنين قتلاً ونحوه لأن قضية "لن يجعل" طبيعية كسائر القضايا الواردة في أمثال المقام.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
142
ولما ذكر سبحانه أن المنافقين يتراوحون بين المؤمنين والكافرين لإرضاء كليهما ولأن يهيّئوا لهم حياة سعيدة مهما تقلّبت الظروف والأحوال بيّن أن خداعهم هذا لا ينطلي على الله سبحانه ((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللّهَ )) حيث يُظهرون الإيمان لحقن أموالهم ودمائهم وأعراضهم بينما هم كفار غير مؤمنين ((وَهُوَ خَادِعُهُمْ )) إذ يلزمهم أحكام المسلمين في الدنيا ويجزيهم جزاء الكافرين في الآخرة ((وَ)) من صفاتهم الظاهرة أنهم ((إِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلاَةِ قَامُواْ كُسَالَى )) جمع كسلان، أي متثاقلون لأنهم لا يعتقدون بالصلاة حتى يقوموا إليها قيام نشاط وفرح كما يقوم المؤمنين إليها ((يُرَآؤُونَ النَّاسَ ))، أي إن أصل عملهم لأجل الرياء وإن يُظهروا للمؤمنين أنهم مسلمون لا لأجل الله ولذا لو تمكنوا من تركها تركوها ((وَلاَ يَذْكُرُونَ اللّهَ إِلاَّ قَلِيلاً)) في مواقع الشدة والمحنة، كما قال سبحانه (فإذا ركبوا في الفُلك دعوا الله مخلصين) بخلاف المؤمنين الذين يعتقدون بالله فإنهم دائم الذكر له.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
143
((مُّذَبْذَبِينَ )) يُقال ذبذبته أي حرّكته، أي إن المنافقين مردّّدين ((بَيْنَ ذَلِكَ )) المجتمع المنقسم الى المؤمن والكافر ((لاَ إِلَى هَؤُلاء )) المؤمنين، أي لا مع هؤلاء تماماً ((وَلاَ إِلَى هَؤُلاء)) الكافرين، ودخول كلمة "الى" باعتبار أن مَن يكون مع قوم ينتهي إليهم في حركاتهم وسكناتهم بخلاف المنافق الذي هو في الوسط لا ينتهي الى أحد الجانبين ((وَمَن يُضْلِلِ اللّهُ)) وإضلاله بترك لُطفه الخاص به بعد ما أراه الطريق فلم يسلكه، وقد تقدّم معنى الإضلال من الله ((فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً)) الى الحق لأنه وإن على قلبه ما كسبه من السيئات والإعراض عن الإيمان بالله والعمل الصالح.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
144
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء ))، أي أنصاراً وأخلاّء يتولّون شؤونكم ((مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ )) بأن تتركوا ولاية المؤمنين الى ولاية الكافرين ((أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا)) السلطان الحُجّة ، والمبين بمعنى الواضح، فينكّل بكم حيث انحرفتم عن طريقته الى طريقة الكفار، إن المنافقين قد اتّخذوا الكافرين أولياء فأنتم أيها المؤمنون لا تكونوا مثلهم لتتم عليكم الحجّة فيصح عقابكم لأنه بعد البيان والإنذار والإستفهام بمعنى الإنكار، أي لا تجعلوا لله سلطاناً عليكم.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
145
((إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ))، أي في الطبق الأسفل، وذلك لأن المنافق شرّ من الكافر إذ هو كافر بإضافة أنه في المسلمين فيطّلع على عوراتهم ويُجري الأعداء عليهم، وفي آية أخرى قال تعالى بالنسبة الى المنافقين (هم العدو فاحذرهم) على نحو الحصر، ولعل السبب في قبول المنافق بعد العلم بباطنه رجاء زوال نفاقه وأنه لو وُكّل الأمر الى الناس لأخذوا كثيراً من المؤمنين بأنهم منافقون ((وَلَن تَجِدَ )) يارسول الله ((لَهُمْ ))، أي للمنافقين ((نَصِيرًا)) من بأس الله وعقابه.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:15 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
146
((إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ )) من نفاقهم ((وَأَصْلَحُواْ )) نيّاتهم وأعمالهم كسائر المؤمنين ((وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ ))، أي أخلصوا طريقهم لله بخلاف المنافق الذي يبّعض في طريقته فيعضها لله وبعضها للأصنام ((فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ )) في دنياهم وآخرتهم ((وَسَوْفَ )) في الآخرة ((يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا)) هو النعيم والمقيم الذي لا زوال له ولا اضمحلال.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
147
ولما ذكر سبحانه أن المنافقين في الدرك الأسفل بيّن أنه ليس من حاجة له الى عذاب أحد وإنما ذلك لسوء صنيعهم فلو بدّلوا صنيعهم لكان خيراً لهم ((مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ )) أيها الناس، والإستفهام في معنى الإنكار، أي لا حاجة الى عذابكم إذ لا ينتفع الله بذلك كما لا يتضرّر بتركه ((إِن شَكَرْتُمْ )) نعمه سبحانه ((وَآمَنتُمْ )) إيماناً صحيحاً ((وَكَانَ اللّهُ شَاكِرًا )) لمن شكر، ومعنى كونه شاكراً أنه يفعل فعل الشاكر من الحفاوة بالنسبة الى المشكور له ((عَلِيمًا)) بكم وبأعمالكم فلا يفوته شيء منها.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
148
وحيث تقدّم الكلام حول النفاق وهو شيء ربما إشتبه فيه الناس، ولذا نراهم يرمي بعضهم بعضاً بالنفاق بيّن سبحانه أنه لا يجوز أن يجهر الإنسان بالقول السيّء بالنسبة الى أحد إلا إذا كان الإنسان الجاهر مظلوماً فإنه يحقّ له أن يجاهر بظلامته فلا يحقّ لأحد أن يُبدي عورة غيره حتى فيما إذا عَلِم فكيف بما لو ظنّ أو وَهم، وفي آية أخرى (إجتنبوا كثيراً من الظن إن بعض الظنّ إثم) ((لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ )) بأن يقول القول السيّء بالنسبة الى غيره جهراً أمام الناس، ومعنى "لا يحب" أنه يكره ذلك ((إِلاَّ مَن ظُلِمَ )) فإنه يحق له أن يذكر ظلامته أمام الناس ((وَكَانَ اللّهُ سَمِيعًا )) يسمع ما يجهر به الإنسان من القول السيّء في غيره ((عَلِيمًا)) بصدق الصادق وكذب الكاذب فيُجازي كلاًّ حسب جزائه.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
149
وإذ ذكر تعالى جواز الجهر بالسوء لمن ظلم بيّن أن إبداء الخير وإخفاء السوء أحسن فإن ذلك من صفات الله سبحانه العفوّ القدير الذي يعفو مع قدرته ((إِن تُبْدُواْ ))، أي تُظهروا ((خَيْرًا ))، أي حسناً جميلاً لمن أحسن ((أَوْ تُخْفُوهُ ))، أي تتركوا إظهار الخير، أو المعنى تعزموا عليه أي تنووه، ولعل الثاني أقرب ((أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ )) فلا تنتقموا ممن أساء إليكم مع قدرتكم على الإنتقام، ففي المقام لا تجهروا بالقول السيّء بالنسبة الى من ظلمكم ((فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوًّا)) كثير العفو عن خلقه ممن أساء وظلم ((قَدِيرًا)) على الإنتقام منهم فما أجدر أن يتّصف الخلق بصفة الخالق.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
150
ولما ذكر سبحانه في الآيات السابقة حال المنافقين أتمّ الكلام في الآيات التالية حول حال الكافرين والمؤمنين فإنّ الشأن أن الناس ينقسمون أمام الدعوة الجديدة الى مؤمن وكافر ومنافق بين أولئك ((إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ )) وإن كان كفراً برسول واحد، والتكفير أما بالإنكار أو نحو ذلك ((وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ )) لعل هي أنهم طائفة أخرى حيث أنهم يؤمنون بالله ويكفرون بالرُسُل فبهذه الصفة أنهم مفرّقون بين الله والإيمان وبين المُرسَل بالكفران ((وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ )) فإن هناك المنكِر المطلق والذي لا ينكر الله ولكن ينكر أنبيائه جملة والذي يبّعض في الأنبياء ((وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ )) الحق والواقع ((سَبِيلاً)) طريقاً لا الإنكار المطلق ولا الإذعان.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
151
((أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا ))، أي حقيقة فلا يخرج إيمانهم ببعض عن كونهم كافرين كما قد ينطلق على بعض الذين لا يعرفون معيار الكفر والإيمان، فأيّ الكفر هو إنكار أحد الأصول والإيمان هو الإقرار بها أجمع ((وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ ))، أي هيّئنا لهم ((عَذَابًا مُّهِينًا)) يهينهم ويذلّهم.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
152
((وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ )) جميعاً ((وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ )) لفظة "أحد" إذا دخل عليه النفي أو كان في معناه أفاد العموم ولذا صحّ إدخال "بين" عليه ولا كذلك إذا كان للإثبات ((أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ )) الله ((أُجُورَهُمْ )) في الآخرة ((وَكَانَ اللّهُ غَفُورًا )) يغفر ما صدر منهم من دين ((رَّحِيمًا)) يرحم بلطفه ورحمته.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
153
وإذا تقدّم الكلام عن الذين يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض ومَن أظهرَ مصاديق أولئك أهل الكتاب الذين آمنوا بالأنبياء السالفة ولم يؤمنوا بمحمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بحجج واهية إنتقل السياق الى هؤلاء مبيّناً أنهم كاذبون في زعم الإيمان بموسى (عليه السلام) فإنهم كانوا يرهقونه (عليه السلام) بأسئلة وأعمال بشعة ((يَسْأَلُكَ )) يارسول الله ((أَهْلُ الْكِتَابِ )) والمراد هنا اليهود ((أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء )) كما جاء لموسى التوراة جملة مكتوبة لا أن تأتي الآيات على نحو الوحي، وفي بعض التفاسير أن كعب الأشرف وجماعة من اليهود قالوا : يامحمد إن كُنتَ نبيّاً فاتِنا بكتاب من السماء جملة كما أتى موسى بالتوراة جملة ((فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ )) أفَهُم آمنوا بموسى (عليه السلام) لمّّا أتاهم الكتاب من السماء؟ كلا بل سئلوه شيئاً أكبر من ذلك ((فَقَالُواْ )) له (عليه السلام) ((أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً )) حتى نشاهده بأعيننا ((فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِـ)) سبب ((ظُلْمِهِمْ )) وتجرّئهم على ساحة قدس الله وجلاله فقد جاءت صاعقة وأماتتهم جميعاً -كما تقدّم في سورة البقرة- ((ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ )) إلهاً عبدوه من دون الله سبحانه ((مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ ))، أي الأدلة الواضحة على الربوبية والنبوّة من نجاتهم من بني إسرائيل وتفريق البحر لهم وما رأوه من معاجز العصى وغير ذلك ((فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ )) بما تقدّم في سورة البقرة من أمرهم بقتل بعضهم بعضاً ولكن لم ينفعهم ذلك أيضاً بل بقوا معاندين قُساة جُفاة ((وَآتَيْنَا مُوسَى ))، أي أعطيناه ((سُلْطَانًا مُّبِينًا))، أي حُجّة واضحة تبيّن صدقِه ونبوّته ومع ذلك لم يؤمنوا.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:16 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
154
((وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ ))، أي جبل الطور حيث إقتلع جزء منه ورفع فوق رؤوس بني إسرائيل تخويفاً لهم حتى يأخذوا الأحكام ويقبلوا التعاليم ((بِـ)) سبب ((مِيثَاقِهِمْ ))، أي عهدهم لعل المراد حين إرادة أخذ الميثاق منهم ((وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ ))، أي باب القرية ((سُجَّدًا ))، أي في حال السجود، إسجدوا وادخلوا الباب ((وَقُلْنَا لَهُمْ لاَ تَعْدُواْ ))، أي لا تعتدوا ((فِي السَّبْتِ)) باصطياد السمك فقد كان ذلك محرماً عليهم ((وَأَخَذْنَا مِنْهُم ))، أي من أهل الكتاب المتقدّم ذكرهم ((مِّيثَاقًا غَلِيظًا))، أي عهداً أكيداً بأن يسمعوا الأوامر وينزجروا عن النواهي، وقد تقدّم بعض الكلام حول الأمور المذكورة في سورة البقرة.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
155
ثم ذكر سبحانه أن اليهود بأعمالهم القبيحة استحقّوا عقاب الدنيا وعقاب الآخرة، أما عقاب الدنيا فتحريم الطّيبات عليهم، وأما عقاب الآخرة فالنار المهيّئة لهم، فقوله سبحانه "فبِما نقضِهم .." متعلّق بقوله "حرّمنا عليهم الميتة" ((فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ))، أي بسبب نقض اليهود معاهدتهم مع الله بأن يعملوا بكل ما في التوراة من الأحكام فإنهم لم يعملوا بغالب أحكامها أصولاً وفروعاً ((وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ )) التي أقامها على صدق أنبيائه ككفرهم بأدلّة نبوة عيسى (عليه السلام) ((وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ )) فإنهم كلما جاءهم رسول بما لا تهوى أنفسهم فريقاً يقتلون وفريقاً يكذبون، وكلمة "بغير حق" للتكيد لا للتأكيد إذ قتل الأنبياء لا يكون بالحق أبداً ((وَ)) بسبب ((قَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ )) جمع أغلف، أي في غلاف من دعوتك يامحمد، فلا نفهم ما تقول كالشيء المغلّف الذي لا يصل إليه شيء من الخارج، فقد كانوا يقولون ذلك للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) حتى لا يدعوهم الى الهدى، ثم ضرب سبحانه بجملة معترضة رداً لقولهم "قلوبنا غُلف" بقوله ((بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ )) فإن الإنسان إذا رأى الحق فأنكره وتكرر منه العصيان يكون قلبه في معزل عن الحق وصار الإنكار كالمَلَكة له فإنه يعرف الحق كلما رآه لكنه ينكره لا أنه لا يرى الحق -لأن قلبه في غلاف- وعلى هذا يكون معنى "بكفرهم" لسبب كفرهم ((فَلاَ يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً))إذ كلما يرتدع مَن صار الإنكار مَلَكة له عن غيّه وضلاله ثم إنّ نسبة الطبع الى الله تعالى أما لأنه خلق القلب كذلك بحيث يصير الأمر المكرر مَلَكة له وأما مجاز في النسبة يُراد بذلك تركهم وشأنهم.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
156
((وَبِـ)) سبب ((كُفْرِهِمْ )) بعيسى (عليه السلام) أو المراد الكفر المطلق كرّر تأكيداً أو هو إرهاص لقوله "وقولهم على مريم" يريد بذلك أنهم صاروا كفروا بسبب هذه التهمة لعظمتها ((وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ )) الصديقة المعصومة أم المسيح (صلوت الله عليهما) ((بُهْتَانًا عَظِيمًا)) حيث نسبوها الى الزنا لما وُلد عيسى (عليه السلام) منها من غير أب، عن الكلبي أن عيسى (عليه السلام) مرّ برهط فقال بعضهم لبعض : قد جائكم الساحر بن الساحرة والفاعل بن الفاعلة، فقذفوه بأمه، فسمع ذلك عيسى فقال : اللهم أنت ربي خلقتني ولم أُتّهم من تلقاء نفسي اللهم إلعن من سبّني وسبّ والدتي، فاستجاب الله دعوته فمسخهم خنازير.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
157
((وَ)) بسبب ((قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ )) وهذا القول موجب لسخط الله تعالى لأنه (عليه السلام) رسوله، وقوله ((رَسُولَ اللّهِ )) أما قول اليهود على وجه الإستهزاء، وأما قول الله تعالى فليس مقول قولهم، وأما أنه إعتراف منهم بأن الرسول كما إعترف أهل الكوفة بأن الحسين إمام وقتلوه لهوى النفس ثم ردّهم الله سبحانه بقوله ((وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ )) لأنهم كانوا يقولون قتلناه صلباً ((وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ )) بأن ألقى شبه عيسى على بعض اليهود فقتلوا ذلك الشبيه لعيسى (عليه السلام) لا أنهم قتلوا نفس المسيح ((وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ ))، أي في المسيح (عليه السلام) هل أنه قُتل أم لم يُقتل ((لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ )) فإنهم صاروا فرقين قسم يقولون لم نقتله وإنما قتلنا شبيهاً له ولم يكن قولهم عن يقين وإنما عن شك وتردد ((مَا لَهُم بِهِ))، أي لهؤلاء القائلين بقتله ((مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ )) هذا الإستثناء منقطع فإنه كثيراً ما يُستثنى من أصل الكلام لا من قيوده فكأنه قال هنا : ما لهم من حالة نفسية حول هذا الموضوع إلا إتباع الظن، فمن يقول قتلناه يظن ذلك لا أنه يستيقن ولا يخفى أن الشك بمعناه اللغوي يلائم الظن وليس الشك بمعنى تساوي الطرفين حتى ينافر الظن الذي بمعنى ترجيح أحد الطرفين ((وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا))، أي باليقين والقطع لم يقتلوا عيسى (عليه السلام).
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
158
((بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ ))، أي الى محل تشريفه وهو السماء فإنه قد ثبت في علم الكلام أنه سبحانه لا محل له ثم أن رفعه الى السماء يمكن أن يكون في بعض الكواكب فإنها -كما في الحديث- مدن كمدنكم ((وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا )) ذا عزّة وسُلطة يتمكن مما أراد وأمر ((حَكِيمًا)) يضع الأشياء مواضعها وتقديراته عن حكمة وبصيرة.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
159
((وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ))، أي ما أحد من أهل الكتاب من اليهود ((إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ ))، أي بالمسيح (عليه السلام) ((قَبْلَ مَوْتِهِ ))، أي قبل موت المسيح، فقد ورد أنه (عليه السلام) ينزل من السماء ويصلي خلف الإمام المهدي (عليه السلام) فيؤمن به كل يهودي، ومن المعلوم أن المراد بكل يهودي مَن كان في ذلك الوقت لا كل يهود العالم الذين ماتوا من قبل، وهذه العبارة عُرفية فيُقال : يعرف أهل البلد الفلاني جميعهم حتى إذا خرجت منها، يريد بذلك مَن كان منهم فيها لا كل من مات أو خرج قبل رحلته ((وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ )) المسيح (عليه السلام) ((عَلَيْهِمْ ))، أي على اليهود ((شَهِيدًا)) بأنه قد بلّغ رسالات ربه وأنهم آذوه وطردوه ولم يقبلوا منه وهناك إحتمال أن يعود ضمير "به" الى محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي هو محل البحث عن الكفار، وضمير "موته" الى الكتابي، أي كل كتابي يؤمن بالرسول قبل أن يموت حين الإحتضار حيث ينكشف له الواقع.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:16 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
160
ولما ذكر سبحانه اليهود قال ((فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ ))، أي بسبب ظلم اليهود لأنبيائهم ولأنفسهم ولغيرهم بما تقدّم أقسام الظلم ((حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ )) فقد حلّلتُ قسم من الطيبات لهم لكنهم لما ظلموا حرّمنا عليهم تلك الطيبات جزاءاً على أعمالهم والمحرمات هي ما بيّن في قوله (وعلى اليذين هادوا حرّمنا كل ذي ظفر ومن البقر والغنم ..) ((وَبِصَدِّهِمْ ))، أي بمنعهم ((عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيرًا)) عطف على قوله "فبظلم" فإنهم كانوا يصدّون عن سبيل الله ويمنعون الناس عن التديّن بدين المسيح ومحمد (صلوات الله عليهما) كما كانوا يحرّفون التوراة حسب رغباتهم وأهوائهم.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
161
((وَ)) بـ ((أَخْذِهِمُ الرِّبَا )) وهو أخذ الزيادة من المقترِض فقد كانوا حراماً حتى في شريعتهم ولكنهم لم يكونوا يأبهون بالشريعة ((وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ ))، أي والحال أنهم كانوا قد نُهوا عن أخذ الربا ((وَ)) بـ ((أَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ )) فقد كانوا يأخذون الرشوة في الحكم ويسيطرون على أموال الآخرين بالمكر أو القوة ((وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ )) الذين لم يؤمنوا بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((عَذَابًا أَلِيمًا)) يؤلم أجسامهم وأرواحهم.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
162
ولما ذكر سبحانه "للكافرين منهم" فهم أن بعضهم ليس كذلك وقد بيّن ذلك سبحانه بقوله ((لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ )) كعبد الله بن سلام وأصحابه الذين رسخوا في العلم وثبتوا فيه وعرفوا العلم حق المعرفة ((وَالْمُؤْمِنُونَ )) يعني أصحاب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويحتمل أن المراد به المؤمنون بموسى حقيقة مقابل سائر اليهود الذين إيمانهم مزيّف مكذوب ((يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ )) يا رسول الله من القرآن الكريم ((وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ )) من كتب موسى وعيسى (عليهما السلام) بخلاف اليهود الذين لم يؤمنوا إطلاقاً وكان إيمانهم بالتوراة كذباً كما قال سبحانه (مَثَلُ الذين حُمِّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمَثَلِ الحمار يحمل أسفارا)، وهنا قد يتسائل البعض : أن اليهود إن كان في طبيعتهم الإنحراف كما هو المشهور بين الناس والظاهر من وقله تعالى (فهي كالحجارة أو أشدّ قسوة) وقوله (لتجدنّ أشد الناس عداوةً للذين آمنوا اليهود) ومن أعمالهم مع أنبيائهم وبالأخص موسى (عليه السلام) فكيف يمكن التخلّي عن هذه الطبيعة لهم وكيف يقبلون إذا أسلموا وكيف أمكن التفكيك بينهم حيث قال سبحانه "لكن الراسخون .."، والجواب : أن اليهود لهم جهتا إنحراف الأولى طبيعتهم المتحجّرة والثانية دينهم الباطل الذي يأمرهم بكل منكر وتقاليدهم البالية السخيفة، ومن المعلوم أن اليهودي إذا أسلم راضت طبيعته وصقلت بالإسلام كالجبان الذي يشجّع نفسه حتى تصبح له مَلَكة الشجاعة والفاسق الذي يسلك الصلاح حتى تحصل له مَلَكة العدالة، وكذلك تذهب تقاليده ودينه المحرّف فلا يكون هناك محفّز له على الإجرام والرذيلة بالإضافة الى أن الإنحراف ليس من طبيعة الكل مطلقاً بل الأغلب -كما لا يخفى- ((وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاَةَ)) عطف على "الراسخون"، أي الذين يقيمون الصلاة من اليهود، فإن لكل دين صلاة وإنما عطف بالنصب والقاعدة الرفع أي "المقيمون" لأنه نصب على المدح وهذا تفنّن في الكلام لإزالة الضجر النفسي الذي يحصل من سبك واحد، وقد كانت إقامة الصلاة الدائمة من أقوى العوامل للإيمان بالرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لأنها مذكِّرة مستمرة توجب مَلَكة طيّبة ((وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ )) فقد كان كل دين يأمر بالزكاة بمعناها الأعم ((وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ )) إيماناً حقيقياً لا صورياً -كما كان عند أغلب اليهود- ((أُوْلَئِكَ )) المتّصفون بهذه الصفات ((سَنُؤْتِيهِمْ )) في الآخرة ((أَجْرًا عَظِيمًا)) في جنات النعيم التي فيها ما تشتهي الأنفس وتلذّ الأعين وهم فيها خالدون، ويمكن أنّ الكلام من قوله "والمقيمين" إستئنافاً الى أن الراسخين في العلم من اليهود والمؤمنون الذين يقيمون الصلاة -من المسلمين- أولئك نُعطيهم الأجر العظيم فلا يكون "المقيمين .." من صفات اليهود الراسخين في العلم وربما هذا الوجه نصب "المقيمين" كأنه أراد بيان الإنقطاع عما قبله وأنه في حُكم الضمير في "سنُؤتيهم" أي سنُؤتي المقيمين ... سنؤتيهم أجراً عظيماً كباب الإشتغال.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
163
ثم ذكر سبحانه أن مجادلات اليهود باطلة وأن الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أوحِيَ إليه كما أوحي من قبله الى سائر الأنبياء، فقولهم بإنزال الكتاب عليهم بحيث إذ قد كثر في الأنبياء السابقين مَن أوحِيَ إليه فقال تعالى ((إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ )) يارسول الله، الوحي هو الإلقاء في القلب بواسطة مَلَك أو إبتداءاً بدون مَلَك في اليقظة أو المنام ((كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ ))، أي من بعد نوح (عليه السلام) ثم ذكر بعض الأنبياء بالإسم تعظيماً وإن كانوا داخلين في عموم "النبيّين" ((وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ )) وقدّم "إسماعيل" لأنه أرفع شأناً من إيمان وإن كان الثاني أكبر سناً -كما هو المشهور- ((وَيَعْقُوبَ )) وهو حفيد إبراهيم إبن إسحاق جد اليهود كما إن إسماعيل جدّ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((وَالأَسْبَاطِ ))، أي الأنبياء المبعوثون من أولاد يعقوب، ويُسمّون الأسباط لأنهم أحفاد يعقوب كيوسف وغيره (صلوات الله عليهم أجمعين) ((وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ )) ولم يذكر موسى (عليه السلام) لأنه نزل عليه الكتاب من السماء الذي كان محل إحتجاج اليهود -كما تقدّم- ((وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا)) جمع زُبُر، أي شيئاً فشيئاً ولم ننزّل على هؤلاء الأنبياء كتاباً كاملاً بل أما وحياً وأما جزءاً -كداود (عليه السلام)-.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
164
((وَ)) أرسلنا ((رُسُلاً )) بالوحي إليهم ((قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ )) كيونس (عليه السلام) ((مِن قَبْلُ)) في سائر القرآن (( وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ )) فقد كان عدد الأنبياء في القول المشهور مائة وأربعة عشرين ألفاً ((وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا)) فلم يكن كل ما أتاه بشكل الكتاب فموسى (عليه السلام الذي هو محل إحتجاج اليهود كان الله قد كلّمه والكلام قسم من الوحي ولا يخفى أن كلام الله سبحانه إنما هو بخلق الصوت في الفضاء لأنه سبحانه منزّه عن الجسمية ولوازمها.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:17 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
165
((رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ )) لمن آمن وأطاع بالثواب ((وَمُنذِرِينَ )) لمن كفر وعصى بالعقاب ((لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ )) إرسال ((الرُّسُلِ )) بل لله الحُجّة البالغة والمراد بـ "الناس" الغالب لا الكل إذ بعضهم لم تدركه الدعوة كما هو معلوم بالضرورة وصرّح بذلك بعض الأحاديث ((وَكَانَ اللّهُ عَزِيزًا )) مقتدراً للعقاب والثواب ((حَكِيمًا)) يفعل الأفعال عن مصلحة وحكمة.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
166
إن اليهود إن لم يشهدوا لك يارسول الله بالنبوّة بحُجّة مختلفة ((لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ)) وشهادة الله هو إجراء المعجزة على يد الرسول ولا يكون ذلك إلا لله وحده، والفرق بين السحر والمعجزة أن السحر توصِل بالأسباب الى مسبباتها ولو كانت الأسباب ختوماً وأوراداً والمعجزة خرق لنواميس الطبيعة بمجرد إرادة الرسول ومَن أتاه الله ذلك ولا يفرق بين الأمرين إلا أهل المعرفة فالرسول يتمكن من إحياء الميت بينما لا يتمكن الساحر من ذلك وهكذا (( أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ))، أي بعلمه أنك أهل النبوّة أو أنزله مقترناً بالعلم الذي من لدنه أو إن الإنزال كان معلوماً لله تعالى لا كما يأمر الآمر وهو غافل أو جاهل أو ناسٍ أو ساهِ، والأول أقرب (( وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ )) بما أُنزل إليك ولعل ذكر الملائكة تشريعي، أي بشهادة واقعية وإن لم يكن لها أثَر أو إن الأثَر نُصرة الملائكة كما رأوا في يوم بدر وكما ظهر بعض الآثار لنزول الملائكة ((وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا)) يشهد بأنك رسوله (صلّى الله عليه وآله وسلّم).
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
167
ثم ذكر سبحانه جزاء الكافرين بالرسول بقوله تعالى ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ ))، أي منعوا الناس عن الإيمان ومنعوا الإسلام عن التقدّم ((قَدْ ضَلُّواْ )) طريق الحق ((ضَلاَلاً بَعِيدًا)) متباعداً عن الطريق السوي.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
168
((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ )) بالله ورُسله وما جائوا به ((وَظَلَمُواْ )) أنفسهم بالعصيان والناس بالحرمان عن طريق الهداية ((لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ )) إذا ماتوا على الكفر -كما يظهر القيد من سائر الآيات- ((وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً)) والمراد طريق الجنة.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
169
((إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ )) جزاءً لما فعلوا من الكفر والظلم ((خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا )) لا زوال للعذاب ولا إنقطاع، وقد يتسائل البعض ولِمَ العذاب الدائم مقابل العمل الذي كانت له مدة محدودة له؟ والجواب أن العذاب للشر الكامن الذي كان له مظهر وذلك باق أبداً ولذا قال سبحانه (ولو رُدّوا لعادوا لما نُهوا عنه) ((وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرًا)) لقدرته الكاملة وسلطانه المطلق.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
170
ثم خاطب سبحانه جميع الناس بوجوب الإيمان والتنكّب عن طريق الكفر بقوله ((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُمُ الرَّسُولُ )) محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((بِالْحَقِّ ))، أي مجيئه بالحق أو بالدين إرتضاه الله لعباده ((مِن رَّبِّكُمْ ))، أي من طرفه وجانبه فربكم هو الباعث له وفيه تأكيد لوجوب القبول ((فَآمِنُواْ )) بما أتى به من الأصول وائتو ((خَيْرًا لَّكُمْ ))، أي خيراً يعود فائدته الى أنفسكم ((وَإِن تَكْفُرُواْ )) فلا تظنوا أن ذلك يضر الله تعالى ((فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )) فلا ينقصه كفركم شيئاً ((وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا )) بمصالحكم ومفاسدكم فالرسول آتٍ بما هو الصلاح لكم ((حَكِيمًا)) في أمره ونهيه وتدبيره وتقديره.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
171
ثم توجّه السياق الى أهل الكتاب الذين تقدّم الكلام عنهم لكن هنا يُراد بهم النصارى فقط فقال سبحانه ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ )) الغلو هو مجاوزة الحد والإرتفاع ومنه غلى في دينه، أي تجاوز الحد الى الإرتفاع فقد كان المسيحيون يقولون بتعدد الآلهة الأب والإبن وروح القُدُس ويريدون بالأول هو الله وبالثاني المسيح وبالثالث جبرئيل (عليه السلام) ((وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ ))، أي لا تفتروا على الله بأن تقولوا أن الله أمَرَنا بعبادة آلهة ثلاثة أو المعنى لا تقولوا بالنسبة الى الله ما ينافي عظمته من قولكم أن له شريكاً ((إِلاَّ الْحَقِّ )) وهو أنه لا شريك له ولم يأمر إلا بذلك ((إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللّهِ )) قيل إنما سُمّي بالمسيح لأنه كان يمسح الأرض ويسيح في البلاد، و"عيسى بن مريم" بيان لقوله "المسيح" يعني أنه إبن مريم لا أنه إبن الله و"رسول الله" خبر لقوله "المسيح" ((وَكَلِمَتُهُ ))، أي كلمة الله وهذا تشبيه فكما أن المتكلم إذا قال الكلام حدث منه في الخارج شبه إلقاء كذلك الله سبحانه يلقي الأشياء الى الخارج فهي كلماته، ولذا يُقال للمخلوقات كلمات الله وإنما هنا للحصر الإضافي مقابل النبوة والإلوهية ((أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ ))، أي أوجدها في رحمها الطاهرة بدون إزدواج وإقتراب من رجل ((وَرُوحٌ مِّنْهُ )) سبحانه والروح هو القوة -الطاقة- التي تتحرك وتحرّك الى أن عيسى روح من الله، ومن المعلوم أن الإضافة تشريفية نحو بيت الله ((فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ )) إيماناً صحيحاً بالإذعان بوحدته وأنه لا شريك له ولا ولد وأن المسيح رسول الكريم ((وَلاَ تَقُولُواْ)) أيها النصارى أن الإله ((ثَلاَثَةٌ )) أب وإبن وروح القُدُس ((انتَهُواْ )) عن هذا الكلام البشع وائتوا ((خَيْرًا لَّكُمْ)) في دنياكم وآخرتكم من التوحيد والتنزيه (( إِنَّمَا اللّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ )) لا شريك له فليس المسيح شريكاً له في الإلوهية فإن من كان له شريك لا يصلح أن يكون إلهاً إذ الشركة تلازم التركيب والتركيب يلازم الحدوث فإنّ كل مركّب لابد له من مركِّب وأجزاء سابقة ولو رتبة وما سبقه غيره ليس بإله ((سُبْحَانَهُ ))، أي أسبّحه سبحانه بمعنى اُنزّهه تنزيهاً ((أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ )) كما قال المسيحيون من أن المسيح إبن الله فإنه لو أُريد بالولد المعنى المتعارف مما يستلزم الولادة فإنّ ذلك من صفات الممكن لا من صفات الإله إذ لا يعتري التغيير على الإله وإلا كان حادثاً ولو أُريد المعنى التشريعي كما يقول الكبير لبعض الناس -إذا أراد تشريفهم- فلان ولدي فإن ذلك لا يجوز بالنسبة الى الله سبحانه إذ شؤونه كلها توقيفية فقد إذِنَ أن يُقال فلان خليله ولم يأذن أن يُقال إبنه أو ولده، والمراد بالآية هو المعنى الأول ((لَّهُ ))، أي الله تعالى ((مَا فِي السَّمَاوَات وَمَا فِي الأَرْضِ )) ومن يكون كل شيء مُلكه لا يمكن أن يكون شيء وَلَداً له إذ الولد جزء والجزء لا يكون مُلكاً لعدم أحقّيّة كون المالك المنفصل عنه من كونه المنفصل ((وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً)) للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في إنفاذ أمره وهو وعيد للقائلين بالتثليث.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:18 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
172
ثم ذكر سبحانه أن المسيح (عليه السلام) هو يعترف بأنه عبد الله فلِمَ يقول هؤلاء بأنه إبن الله أو شريك الله؟ ((لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ ))، أي لن يأنف عيسى (عليه السلام) ((أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ )) بل إعترف هو (عليه السلام) حين ولادته بذلك (قال إنّي عبد الله آتاني الكتاب) ((وَلاَ الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ )) الذين قرّبهم سبحانه من ساحة لطفه ولعل هذا إشارة الى ردّ مَن زعم أنهم أولاد الله كما حكى سبحانه بقوله (وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا) ((وَمَن يَسْتَنكِفْ )) يأنف ويمتنع ((عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ )) فيرى نفسه أكبر وأعظم من أن يعترف لله بالعبودية ((فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيهِ جَمِيعًا)) الحشر هو الجمع، أي يجمعهم يوم القيامة جميعاً ليُجازيهم باستكبارهم وإليه ليس للمكان لأنه سبحانه منزّه عنه بل المراد المحل المعدّ لقضائه وجزائه.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
173
((فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ )) إيماناً صحيحاً ((وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ ))، أي الأعمال الصالحات ((فَيُوَفِّيهِمْ))، أي يُعطيهم كاملاً ((أُجُورَهُمْ )) التي وعد الله لهم ((وَيَزيدُهُم مِّن فَضْلِهِ ))، أي يزيدهم على ما كان وعدهم به من الجزاء على أعمالهم الحسنة تفضّلاً منه وكرما ((وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ )) عن عبادته وطاعته ((فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلُيمًا ))، أي مؤلماً ((وَلاَ يَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللّهِ وَلِيًّا )) يتولّى أمورهم ويُنجّيهم من عذاب الله ((وَلاَ نَصِيرًا)) ينصرهم.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
174
((يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءكُم بُرْهَانٌ مِّن رَّبِّكُمْ ))، أي حُجّة ودليل يدلّكم على الحق ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا))، أي نوراً واضحاً هو القرآن فكما أن النور يهدي الإنسان الى طريقه في ظلمات الليل ونحوه كذلك القرآن يهدي الإنسان الى طرقه في ظلمات الحياة بهذا المعنى يعني (الله نور السموات والأرض).
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
175
((فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ )) إيماناً صحيحاً كما أمَرَ العقل والشرع ((وَاعْتَصَمُواْ بِهِ ))، أي تمسّكوا بالله في أمورهم أو ضمير "به" يرجع الى النور ((فَسَيُدْخِلُهُمْ )) يوم القيامة ((فِي رَحْمَةٍ مِّنْهُ)) سبحانه سرحمهم بها ويتفضّل عليهم بالجنة ((وَفَضْلٍ ))، أي زيادة على ما استحقّوا ((وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ ))، أي يرشدهم الى نفسه كما قال سبحانه (والذين اهتدوا زادَهم هُدى) ((صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا))، أي جادة مستقيمة فهم يصلون الى الحقائق والسعادة لصراط مستقيم حيث أنهم اتّبعوا الدعوة ولبّوا الداعي، ومفهوم الآية أن الذين كفروا بالله واعتصموا بسواه فسيدخلهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً ويُضلّهم ضلالاً بعيداً، وما في بعض الأخبار من تفسير النور بأمير المؤمنين والأئمة الطاهرين (عليهم الصلاة والسلام) فإن ذلك من باب أظهر المصاديق كما قد تكرر بيانه.
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة النساء
176
في حديث أن جابر بن عبد الله الأنصاري كان مريضاً فعاده رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فسَألَ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) قائلاً : إن لي كلالة -أي أخوات- فكيف أصنع في مالي بالنسبة الى ميراثهنّ فنزلت الآية ((يَسْتَفْتُونَكَ ))، أي يطلبون منك الفتوى يارسول الله، ولهذه الآية ربط بما سبق في حُكم الكلالة (وإن كان رجلٌ يورث كلالة) ((قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ ))، أي يبيّن لكم الحُكم ((فِي )) مسألة ((الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ ))، أي مات وليس معنى الهلاك ما يتبادر غالباً من كونه هلاكاً سيئاً بل مطلقاً كما قال في قصة يوسف (عليه السلام) (حتى إذا هلك) ((لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ )) ولا أبوان حتى لا يكون هناك مَن في الطبقة الأولى كما دلّ عليه النص والإجماع ((وَلَهُ أُخْتٌ )) واحدة ((فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ )) فرضاً والنصف الآخر رداً ((وَهُوَ يَرِثُهَآ ))، أي الأخ يرث الأخت لو كانت الأخت ميّتة والأخ حيّاً يرث جميع أموالها فرضاً ((إِن لَّمْ يَكُن لَّهَا وَلَدٌ )) ولا والدان وهذا مع قطع النظر عن الزوجين وإلا فهما يرِثان نصيبهما الأعلى والباقي للكلالة ((فَإِن كَانَتَا اثْنَتَيْنِ ))، أي كان للرجل الميت أُختان ((فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ )) فرضاً والثُلث الآخر قرابة ((وَإِن كَانُواْ ))، أي الكلالة التي ترث الميت ((إِخْوَةً ))، أي جماعة أكثر من اثنين ((رِّجَالاً وَنِسَاء )) بعضهم أخوان وبعضهم أخوات ((فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ )) لكل أنثى واحد ولكل ذكر إثنان وهذا كله في الأُخوة من الجانبين أو من جانب الأب أما الأخوة من جان بالأم فقد سبق حُكمهم في أول السورة ((يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ )) الأحكام ((أَن تَضِلُّواْ ))، أي لئلا تضلّوا أو كراهة أن تضلّوا بمعنى تخطئوا الحكم في مسألة الكلالة ((وَاللّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)) فيعلم الصالح والفاسد ولذا يكون أمره ونهيه وتقديره عن حِكمة وصلاح، قال في المجمع : وقد تضمّنت الآية التي أنزلها الله في أول هذه السورة بيان ميراث الولد والوالد والآية التي بعدها بيان ميراث الأزواج والزوجات والأُخوة والأخوات من قِبَل الأم وتضمّنت هذه الآية التي ختم بها السورة بيان ميراث الأخوة والأخوات من الأب والأم والأخوة والأخوات من قِبَل الأب عند عدم الأخوة والأخوات من الأب والأم وتضمن قوله سبحانه (وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله) إن تدانى القربى سبب في استحقاق الميراث فمن كان أقرب رحماً وأدنى قرابة كان أولى بالميراث من الأبعد والله العالم.

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:19 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
1
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ)) سبق أنّ الأحكام عامة وإنما يخاطب المؤمنون بها لكونهم المستفيدين منها ((أَوْفُواْ بِالْعُقُودِ)) الجمع المحلّى يفيد العموم، أي كلّ العقود، وعقود جمع عقد وهو كلّ إلتزام وميثاق بين جانبين فتشمل عقود الناس بعضهم مع بعض والمعاهدات الدولية والمواثيق التي بين الله وبين خلقه وحيث كانت المواثيق بين الله والخلق أولى العهود بالوفاء إبتدء بها بقوله سبحانه ((أُحِلَّتْ لَكُم بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ)) فإنّ الحلال والحرام وسائر الأحكام عقود بين الله والخلق أن يعمل الخلق بالأوامر ويجزيهم الله عوض ذلك الجنة، كما قال سبحانه (فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم) والبهيمة من الإبهام يُراد بها كل دابة، والأنعام هي الإبل والأنعام من النعم لأنها من نعم الله على الخلق، والمراد بالحلّيّة الحلّيّة ذبحاً وأكلاً وانتفاعاً ((إِلاَّ مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ))، أي يُقرء عليكم مما هو محرّم وهو قوله سبحانه (حُرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير) الآية ((غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنتُمْ حُرُمٌ)) حال من أُحلّت، أي إنّ التحليل في حال كونكم لا تحلّون الصيد في حال الإحرام، وهذا الحال إستثناء يأتي بهذه الصورة كما تقول : يجوز لك أن تتصرّف في أموالي في حال كونك لا يجوز لك التصرّف في النفائس منها تريد أنّ الجواز في غيرها ((إِنَّ اللّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)) من تحليل وتحريم سائر الأحكام مما يراه صلاحاً .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
2
((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُحِلُّواْ شَعَآئِرَ اللّهِ)) الشعائر جمع شعيرة وهي الأمر المرتبط بشيء كأنه من علائمه ومزاياه فشعائر الحج الأمور المربوطة بالحج وشعائر الله الأمور المرتبطة بالله، ولعل اشتقاقها من الشعر بمعنى الشعور كأنه يشعر بالشيء أو من الشعر بمعنى ما ينبت من الإنسان كأنّ الشعيرة تلازم الشيء تلازم الشعر أو تلازم الشعار -الذي هو الثوب الذي على الجسد مقابل الدثار الذي هو الثوب الفوقاني- لبدن الإنسان، والشعائر في الآية -لكونها مطلقة- تشمل كل شيء كان أو أصبح من ألأامور المرتبطة بالله مما لم ينه عنه، فمعالم الحج من الشعائر، كما إنّ تشييد القباب على أضرحة الأئمة الطاهرين من الشعائر، والمراد من عدم إحلال الشعائر خرق حرمان الله، وقد ورد عن الباقر (عليه السلام) أنه قال : "نزلت هذه الآية في رجل من بني ربيعة يُقال له الحطم"، وقيل أنه أتى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وسأله عن معالم الإيمان ثم أخبر النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بأنه دخل بوجه كافر وخرج بعقب غادر ولما وصل إلى سرح ساقه معه بها وأقبل في القابل حاجاً قد قلّد هدياً فلما قصد الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) معاقبة نزلت الآية يريد بذلك (آمّين البيت الحرام) ((وَلاَ)) تحلّوا ((الشَّهْرَ الْحَرَامَ)) بأن تقاتلوا فيه والأشهر الحُرُم هي رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم ((وَلاَ)) تحلّوا ((الْهَدْيَ)) وهو الشيء الذي يهديه الحاج إلى بيت الله الحرام للذبح من إبل أو بقر أو غنم والمراد لا تحولوا دون بلوغ ذلك إلى محله ((وَلاَ )) تحلّوا ((الْقَلآئِدَ )) وهي جمع قلادة ما يتقلّد به الهدي في الإبل وهو أن يقلّد في عنقها شيء ليعلم أنه هدى فإنه لا يجوز تحليتها إذ بعد تقليدها تكون لله ولا يجوز الرجوع فيها ((وَلا )) تحلّوا ((آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ )) جمع آمّ على ةوزن مادّ من أمّ بمعنى قصد، أي لا تتعرّضوا لمن قصد البيت الحرام لأداء الحج ((يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا ))، أي يطلبون بقصدهم الحج الفضل -أي الزيادة في الثواب أو المال أو غيرهما- من الله ورضاه مقابل من قصد الحج للإفساد فإنّ صدّه جائز ((وَإِذَا حَلَلْتُمْ )) عن الإحرام ((فَاصْطَادُواْ )) الصيد الذي حرّمه الإحرام والأمر هنا للجواز لأنه في مقام توهّم الحضر وهذا دفع لما تقدّم من قوله سبحانه (غيرمحلّي الصيد وأنتم حُرُم) فقد كان السياق لبيان المحرّمات ولذا أتت الآية الثانية لبيان سائر المحرّمات مما أشير إلى بعضها في الآية الأولى وهو (غير محلّي الصيد) ثن أنه لما أنهى سبحانه عن تحليل تلك الحُرُمات بيّن أنّ هذه الحُرُمات لا فرق فيها من اعتدى عليكم أو لم يعتد عليكم بقوله ((وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ))، أي لا يحملنّكم من جرمني فلان على أن صنعت كذا، أي حملني ((شَنَآنُ ))، أي بغضاء وعداوة ((قَوْمٍ )) لكم بـ ((أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ))، أي منعوكم عنه كما في عام الحديبية ((أَن تَعْتَدُواْ )) عليهم بتحليل المحرّمات المذكورة بالنسبة إليهم ((وَتَعَاوَنُواْ )) أيها المسلمون ((عَلَى الْبرِّ ))، أي الخير واجباً كان أو غير واجب ((وَالتَّقْوَى )) وهو إجتناب المحرّمات بأن يعيّن بعضكم بعضاً في الأعمال الخيرية وترك الآثام ((وَلاَ تَعَاوَنُواْ )) أيها المسلمون ((عَلَى الإِثْمِ )) فإن أراد أحد نكم أن يعمل إثماً فلا تعينوه ((وَالْعُدْوَانِ ))، أي الظلم والتعدّي وهذا مرتبط بقوله (أن تعتدوا) فقد جرت العادة أن يتعاون الناس على الإثم والظلم ولذا نهى الله المسلمين عنه ((وَاتَّقُواْ اللّهَ )) إجتنبوا مخالفته وعصيانه ((إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ)) لمن خالفه وعصاه .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:19 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
3
وفي سياق المحرّمات المرتبطة بالحج -غالباً- ذكر سبحانه قسماً آخر من المحرّمات وهو ما استثناه سبحانه في الآية السابقة بقوله (إلا ما يُتلى عليكم) فقال ((حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ )) أيها المسلمون ((الْمَيْتَةُ )) وهي التي لم تمُت حسب الدستور الشرعي وذلك مختلف، ففي الأنعام مثلاً تحتاج الذكاة إلى فري الأوداج وسائر الشرائط، وفي الصيد رميه وفي السمك موته خارج الماء وهكذا، والمراد بالتحريم أكلها فإنّ التحريم المضاف إلى الإيمان يُراد منه بحسب الأمر المتوقع منه فتحريم الحرير يُراد به لبسه، وتحريم الأم يُراد به إقترابها وتحريم السكن يُراد به سكناه ((وَالْدَّمُ )) وهو ما بيّنه سبحانه في آية أخرى بقوله (ما مسفوحاً) أما المقدار الملطّخ به اللحم فلا حُرمة فيه ((وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ )) وخصّص بالذكر مع كثرة تحريم اللحوم لاعتياد الناس أكله وظنهم طيبه، ثم لا يخفى أنّ المحرّمات تنقسم إلى قسمين : قسم لما فيه من الأضرار وما يذكره بعض الناس -حالاً- من العلم الحديث من التخلّص عن أضرار لحم الخنزير بتعقيم، فليس بمحرّم إذا أًعقم، فالجواب عنه أيّ دليل لعدم وجود أضرار أُخر فيه بعد التعقيم لم يكشف عنه العلم إلى الآن كما لم يهتد العلم طيلة أربعة عشر قرناً لهذا الضرر الذي إكتُشف الآن، وقسم حُرّم لجهة معنوية كالذي لم يُسمّ عليه إسم الله سبحانه وهذا لا يتوقف تحريمه على الضرر الجسدي بل يحرم لانحرافه عن الميزان المستقيم ((وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ )) الإهلال بالشيء الإبتداء به، أي الذبيحة التي ذُكر إسم غير الله عليها عند الذبح -كما تقدّم في سورة البقرة- ((وَالْمُنْخَنِقَةُ )) وهي ما خُنقت بأيّ نحو كان ((وَالْمَوْقُوذَةُ )) الوقذ هو الضرب، أي التي ضُربت حتى ماتت ((وَالْمُتَرَدِّيَةُ )) التردّي الوقوع من مكان عال والمراد بها التي وقعت من مكان عال فماتت، وقد كان أهل الجاهلية يقتلون الحيوان بهذه الكيفيات ((وَالنَّطِيحَةُ )) وهي التي ينطحها غيرها فتموت ((وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ )) وفي فريسة السبع التي أكل الحيوان المفترس بعضها وأبقى بعضاً فإنه يحرم أكل الباقي ((إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ )) التذكية هي التتميم والمراد بها هنا تحليل الحيوان بإجراء الآداب الشرعية عليه من كون الذابح مسلماً والتوجّه إلى القبلة بالذبيحة والمزكّات بالحديد وذكر الله حالة الذبح وفري الأوداج الأربعة، والمراد الإستثناء من (ما أكل السبع) وإن كان الحُكم عاماً، أي أنه لو أدركتم ذكاة ما أكله السبع فذكّيتموه غهو حلال وإدراكها ما عن الباقرين (عليهما السلام) حيث قالا : "أنّ أدنى ما يُدرك به الذكاة أن تدركه يتحرّك أذنه أو ذنبه أو تطرف عينه" ((وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ )) جمع نصاب وهي الحجارة التي كانوا يعبدونها، أي التي تُذبح باسم الأوثان تقرّباً إليها ((وَأَن تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ )) الإستقسام طلب القسمة والأزلام جمع زلم وهو القدح، أي السهام فقد كان أهل الجاهلية يشترون جزوراً ثم يكتبون على سهام عشرة أسماء خاصة فلسهم حصة واحدة ولسهم حصتان وهكذا إلى سبعة حصص ويتركون ثلاثة أسهم لا حصة لها ثم يجتمعون عشرة أشخاص فيخرج سهم بإسم شخص ويُعطى بمقدار حصة السهم لذلك الشخص وهكذا -بعد ما كانوا يقسمون الجزور ثمانية وعشرين قسماً فقد كان على من يخرج بإسم السهام التي لا حصة لها وهذا نوع من القمار فحرّمه الإسلام ((ذَلِكُمْ ))، أي الإستقسام بالأزلام أو جميع ما سبق من المحرّمات إيتانها ((فِسْقٌ)) والفسق هو الخروج عن الطاعة وارتكاب المعصية ((الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ)) قال في مجمع البيان : ليس يريد يوماً بعينه بل معناه الآن يئس الكافرون من دينكم، وروى القمي أنه يوم نصب الإمام (عليه السلام) وهذا هو الأوفق بما تواترت به النصوص وذكره المفسّرون من شأن نزول آية الإكمال فقد كان الكفار يترقبون أن يترك الرسول الأمر سدى حتى إذا قُبض ولم يُقِم له خَلَف إنقضّوا على الإسلام يهدمونه فلما نصب الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الإمام يئسوا من ذلك حيث كانوا يعلمون كفاية الإمام وقدرته العظيمة ولذا لمّا مات الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وعلمت الكفار والمنافقين باغتصاب الخلافة إنقضّوا على الإسلام يريدون إقتلاع جذوره وقد عَلِمَ الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ذلك حين وصّى الإمام بالصبر وإلا قامت حروب داخلية وخارجية ذهبت بالإسلام، وهنا يتسائل البعض : فكيف أنّ الإمام لما نهض بالأمر نكثت طائفة ومرقت أخرى وقسط آخرون .. ؟ والجواب : أنّ الظروف التي تقدّمت على نهضة الإمام غيّرت معالم الإسلام ولذا إحتاج الإمام إلى إرساء قواعد الدين من جديد، وذلك مما يوجب إضطراباً وإختلافاً شأن الأنبياء حين يدعون أممهم إلى الخير لكن الخطر الخارجي كان حين ذاك بعيداً حيث أنّ الكفار إنكمشوا والإسلام -ولو الصوري منه- قد قَوِيَ والحروب الداخلية لم تكن تؤثّر شيئاً بالنسبة إلى إنعكاس الإسلام والكفر لتميل الكفة الثانية على حساب خفة الكفة الأولى ((فَلاَ تَخْشَوْهُمْ )) أن يظهروا على دين الإسلام كما كنتم تخشونهم من قبل ((وَاخْشَوْنِ )) في أن ترتكبوا العصيان وتخالفوا أمر الله والرسل ((الْيَوْمَ ))، أي الغدير ((أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ )) بنصب علي خليفة من بعد الرسول ((وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي )) فإنّ نعمة الإسلام دون نعمة الإيمان بالولاية ناقصة ((وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلاَمَ دِينًا )) فإنّ الإسلام ذو درجات واليوم رُقّيتم الدرجة القصوى فرَضِيَ عن المسلمين الحالة التي وصلوا إليها والرضا هنا ليس في مقابل السخط بل في مقابل النقص الأثري أنّ من يريد بناء دار إذا بلغ منتصفها يقول : لم أرضَ بعد ، يريد لم يكمل رضاي وإنما يقول رضيتُ الآن إذا أتمّ الدار، وقد كان ذلك نصب الرسول الإمام أمير المؤمنين خليفته الرسمية بعد منصرفه من حجة الوداع بمحضر مائة وعشرين ألف من الأصحاب من الرجال والنساء فصعد المنبر وخطب خطبة طويلة ثم قال : "من كنتُ مولاه فهذا علي مولاه اللهمّ والِ من والاه وعادِ من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله - وهو آخذ بكف علي-" ونزل عن المنبر وأمر المسلمين أن يسلّموا عليه بإمرة المؤمنين وبقوا هناك ثلاثة أيام حتى تمّت البيعة ثم قفلوا راجعين إلى المدينة ((فَمَنِ اضْطُرَّ )) إلى أكل المحرّمات المذكورة ((فِي مَخْمَصَةٍ )) وهي القحط يُسمّى بذلك لإيجابه خمص البطون جوعاً ((غَيْرَ مُتَجَانِفٍ ))، أي في حال كون المضطر لم يمل ((لِّإِثْمٍ )) فإنّ الجنف بمعنى الميل فلا يفرط في الأكل كأن يكون محتاجاً إلى شرب نصف رطل من الخمر -مثلاً- فيشرب رطلاً وكذا بالنسبة إلى الميتة وسائر المحرّمات ((فَإِنَّ اللّهَ غَفُورٌ )) يستر السيئة الذاتية بمعنى عدم العقاب عليها ((رَّحِيمٌ)) يرحم الناس فلا يجبرهم على الترك حتى عند أشد الضرورة .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:20 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
4
وبعد بيان قسم من المحرّمات يأتي السياق لبيان قسم من المحلّلات لتتعادل الكفتان، وقد ورد في سبب نزول هذه الآية : أنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أمَرَ بقتل الكلاب فسُئل عن الإستثناء فنزلت الآية تحلّل إقتناء الكلاب المعلّمة والتي فيها نفع ونهى عن إمسكاك ما لا نفع فيه وأمَرَ بقتل العقور وما يضرّ ويؤذي ((يَسْأَلُونَكَ)) يارسول الله ((مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ )) من المأكولات بقرينة السياق ((قُلْ )) يارسول الله ((أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ )) والطيّب هو الشيء الذ لا خُبثَ فيه مما لا يتنفّر منه الطبع، وأَذِنَ الشارع في بعض المأكولات دون بعض لهذا الميزان وإن ظنّه العُرف خبيثاً وما حرّمه الشارع فهو خبيث وإن ظنّه العُرف طيّباً ((وَ)) أُحِلّ لكم صيد ((مَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ )) وحذف المضاف، أي : صيد، لدلالة قوله (مما أمسَكن) عليه، والجوارح جمع جارحة سمّى بذلك الكلب وسائر السباع لأنها تجرح الصيد ثم خَصّص سبحانه عموم الجوارح بقوله ((مُكَلِّبِينَ ))، أي في حال كونكم أصحاب كلاب معلّمة يُقال كلّب الكلب إذا علّمه الصيد ((تُعَلِّمُونَهُنَّ ))، أي الكلاب الجارحة ((مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ )) فإنّ الله قد علّمكم تعليمهنّ ولعلّ الإتيان بضمير (هنّ) التي هي للمؤنث العاقل لانسجامه سياق التعليم والتعلّم مع ذلك وإلا فالقاعدة (تعلّموها) كما إنّ فائدة (مما علّمكم الله) لإيقاظ الضمير وتوجيهه إلى الله سبحانه فإنّ القرآن الحكيم يربط الأحكام والقصص بذاك الرباط العام وهو معرفة الله وسَوق النفس إليه في كل مقام ومناسبة ((فَكُلُواْ )) أيها الصائدون ((مِمَّا أَمْسَكْنَ ))، أي حفظن واصطدن تلك الكلاب ((عَلَيْكُمْ ))، أي لأجلكم لا لأنفسهنّ فإنّ ذلك حرام ((وَاذْكُرُواْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ ))، أي على (ما أمسكن) حين إرسال الكلب، ولا يخفى أنّ بهذا القيد-أي (مكلّبين)- خَرَجَ صيد سائر الجوارح إذا لم يدرك الإنسان ذكاته، روى الحضرمي عن الصادق (عليه السلام) قال : سألته عن صيد البزاة والصقور والفهود والكلاب، فقال : "لا تأكل إلا ما ذكّيتَ إلا الكلاب"، فقلتُ : فإن قتله، قال : "كُل فإنّ الله يقول (وما علّمتم من الجوارح مكلّبين تعلّمونهنّ مما علّمكم الله فكلوا مما أمسكن عليكم واذكروا اسم الله عليه)"، ثم قال (عليه السلام) : "كل شيء من السباع تمسك على صاحبها وإنما تعدي الإمساك بعلى لإفادة الإمساك ثقلاً ومشقة فكان المُمسِك على الإنسان كما قال سبحانه (أمسِك عليكَ زوجُك)" ((وَاتَّقُواْ اللّهَ )) فيما أمَرَكُم ونهاكُم فلا تتناولوا ما حرّمه ((إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)) فإنّ الإنسان وإن ظنّ طول المدة في الدنيا وأنه بعيد جزائه لكن لم تمضِ إلا مدة يسيرة وإذا به يرى نفسه أمام الحساب، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) : "كأنّ الدنيا لم تكن وكأنّ الآخرة لم تَزَل" .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
5
((الْيَوْمَ )) الذي تمّ فيه بيان كل الأحكام نوجز المحلّلات فإنه ((أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ )) وهذا عام يشمل الطيّب من المآكل والمناكح والمساكن والملابس وغيرها بقرينة (والمحصنات) بخلاف الآية السابقة التي كانت خاصة بالمأكل بحُكم السياق وهذه الآية تدلّ على كون الأصل في كل الأشياء الحلّ إلا ما خَبُثَ، ومن المعلوم أنّ الخُبُث لا يُميّز إلا بالشع أو بالعقل نادراً ((وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ))، أي الذين أُرسل إليهم الكتاب السماوي كاليهود والنصارى والمجوس ((حِلٌّ لَّكُمْ )) والطعام أما المراد به الحبوب كما هو المروي وهذا المتعارف إلى اليوم، فإنّ كلمة (باعة الأطعمة) أو ما أشبهها تنصرف إلى باعة الحبوب، أو المراد به العام لكل طعام وقد إستثنى من ذلك الذبائح لقوله سبحانه (وما أُهِلّ به لغير الله) والحق به غيره إجماعاً كما إسثنى ما لامَسَه الكتابي برطوبة لأنهم مُشركون لقوله سبحانه (تعالى الله عمّا يُشركون) وفي آية أخرى حُكُم بنجاسة المشرك بقوله سبحانه (إنما المشركون نَجَس) وتفصيل البحث في الفقه، وهنا سؤال يفرض نفسه وهو أنه : ما الفائدة من هذا التنصيص والحال أنّ طعام غير أهل الكتاب حِلّ أيضاً ؟ والجواب أنه من باب المورد والقيد غالبي لابتلاء المسلمين بهم غالباً كما يدلّ على ذلك ((وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ )) ومن المعلوم أنّ طعام المسلم حِلٌّ حتى للمشرِك الوثني، ثم لو قلنا أنّ الجملة عامة لكل طعام فهل معنى حلّيّة طعامنا لهم الحلّي' بالنسبة إلينا ؟، أي إنّ طعامهم حِلٌّ لنا أو الحلّيّة بالنسبة إليهم ؟، أي يجوز لهم أن يطعموه ؟، الظاهر الثاني وإن كان لا يبعد الأول أنّ قاعدة (إلزموهم بما التزموا به) تقتضي كون الحرام عندهم من أطعمتنا كذبائحنا بالنسبة إلى اليهود -مثلاً- لا يجوز لهم أن يُطعموه -وفي الكلام مناقشة- ((وَ)) حَلّت لكم ((الْمُحْصَنَاتُ ))، أي العفائف اللاتي أَحصنّ أنفسهنّ عن الحرام ((مِنَ )) النساء ((الْمُؤْمِنَاتِ)) بأن تنكحوهنّ، أما الزُنات غير العفائف فالمشهور بين العلماء جواز نكاحهنّ بالسنّة ولا مفهوم للآية حتى يمنع عن ذلك لما ثَبَتَ في الأصول من عدم حجّيّة مفهوم اللقب وإنما خُصّصن لأنهنّ الطيّبات ((وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ ))، أي أُعطوا الكتاب ((مِن قَبْلِكُمْ )) وهم اليهود والنصارى والمجوس -فإنّ للفرقة الثالثة كتاباً على الصح- وقد إختلف العلماء في جواز نكاحهنّ نكاحاً دائماً بعد كون المشهور جواز نكاحهنّ منقطعاً، ولو قلنا بعد الجواز الدائم فهو تخصيص بالنسبة وقد ثَبَتَ جواز تخصيص الكتاب بالسنّة الواردة ((إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ))، أي أعطيتموهنّ مهورهنّ وليس معنى الإعطاء الفعلي بل ذلك وإن كان في المستقبل، ولا مفهوم للآية بالنسبة إلى الحكم الوضعي حتى يكون مَن لا يريد الإعطاء إطلاقاً ولم يُعطَ تُحرم عليه المرأة المزوجة بل المراد الحكم التكليفي، أي إنّ ذلك حرام لا يجوز وهذا تحريض للإعطاء، في حال كونهم ((مُحْصِنِينَ )) بالمسلمة أو الكتابية بأن كان إقترابكم منهنّ بالإحصان والنكاح ((غَيْرَ مُسَافِحِينَ )) تأكيد لقوله (مُحصِنين) والسِفاح هو الزنا ((وَلاَ مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ )) الخدن هو الصديق وهو أن ينفرد الرجل بالمرأة يزني بها دائماً فهي وهو خدنان، أي أنه لا يجوز للرجل بالنسبة إلى المسلمة والكتابية ذلك كما لا يجوز العكس، وقد تقدّم شبه هذا في سورة النساء، ومعنى الآية جملة أنّ إقتراب المرأة المسلمة العفيفة والكتابية العفيفة يجوز لكم ويطيب واعطوا مهورهنّ لكن اللازم أن يكون الإقتراب بالنكاح لا بالسفاح أو باتخاذهنّ أخداناً كما يكثر الأمران عند غير المسلمين، ثم إنّ ما ذكرناه من المحرّمات والمحلّلات كلها من مقتضيات الإيمان الواجب التمسّك به ((وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ )) إنه تعبير آخر عن المعصية والخروج عن الطاعة، ولعلّ الإتيان بهذه اللفظة هنا لإفادة أنّ الكفر -في باب المحلّلات والمحرّمات- ليس بالأصول وإنما هو بالفروع، وقد تقدّم في بعض الآيات أنّ الكفر قسمان كفر بالأصول وهو الموجب لخروج الإنسان عن كونه مسلماً، وكفر بالفروع -كما قال في سورة الحج (ومَن كَفَر) وقال (ولئن كفرتم) وهو الموجب لكون الإنسان فاسقاً ((فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ )) معنى الحبط عدم إستحقاق الثواب على العمل كما قال سبحانه (إنما يتقبّل الله من المتّقين) ((وَهُوَ )) الكافر بالإيمان ((فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)) الذين خسروا أنفسهم حيث استحقّوا العقاب حين إستحقّ سائر المطيعين الثواب .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:20 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
6
وفي سياق ذِكر الطيّبات والملاذ الجسدية يأتي دور الطيّبات والملاذ الروحية التي من أكثرها طيباً ولذة الصلاة بما لها من طهارة ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ ))،أي أردتم إياها فإنّ المريد لشيء يقوم إليه ليأتي به ألا ترى إنّ الناس يقعدون على أشغالهم فإذا أذّنَ المؤذّن يقومون إلى الصلاة ليأتوا بها ((فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ )) من قصاص الشعر إلى الذقن طولاً وما اشتملت عليه الإبهام والوسطى عرضاً بالماء الطاهر المباح غسلاً طبيعياً من الأعلى إلى الأسفل ((وَ)) اغسلوا ((أَيْدِيَكُمْ )) ولما كان المنصرف من اليد تمام اليد إلى الكف أخرجه بقوله ((إِلَى الْمَرَافِقِ )) فإنّ الغسل يستثنى منه غسل العضد ولذا لا يُستفاد من (إلى) هذه كونها للغسل بل المستفاد كونها غاية للمغسول فإنك لو قُلت لمصاب بالمرض : دهّن رجلك إلى الركبة، لم يُستفد عُرفاً منه لزوم كون التدهين من الأصبع إلى الركبة بل استُفيد كون الفخذ خارجاً عن التدهين، وعلى هذا فاللازم الإبتداء من الأعلى لأنه الغسل الطبيعي الذي وردت به السنّة ((وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ )) الباء للتبعيض، أي بعض رؤوسكم وهو الربع المقدّم من الرأس من المفرق إلى قصاص الشعر ((وَ)) امسحوا ((أَرْجُلَكُمْ )) والمراد بهما ظهرهما ((إِلَى الْكَعْبَينِ )) وهما قبّتا القدمين وإنما قُرء بالنصب مع أنه معطوف على المجرور باعتبار المحل وقد كان الترتيب المُجزي قطعاً في باب الوضوء غسل الوجه ثم اليد اليمنى ثم اليسرى ثم مسح الرأس ثم الرجل اليمنى ثم الرجل اليسرى والمسح ببقية بلل الوضوء ((وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا )) الجُنُب لفظ يقع على المفرد والمثنّى والجمع والمذكّر والمؤنّث بلفظ واحد هو من البُعد، كأنّ الإنسان إذا اعترته هذه الحالة يبتعد من النظافة، وحصول الجنابة بالإنزال أو الإدخال ((فَاطَّهَّرُواْ )) من تطهّر ثم أُدغِمت التاء في الطاء وجيء بهمزة الوصل لامتناع الإبتداء بالساكن، والتطهير هو الإغتسال بالإرتماس في الماء مرة واحدة أو الترتيب بغسل الرأس والرقبة ثم الجانب الأيمن ثم الجانب الأيسر ((وَإِن كُنتُم مَّرْضَى )) لا تتمكّنون من إستعمال الماء للوضوء ((أَوْ عَلَى سَفَرٍ ))، أي مسافرين -وقد سبق أن ذُكر السفر لغلبة عدم وجود الماء فيه- ((أَوْ جَاء أَحَدٌ مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ )) والغائط هو المحل المنخفض من الأرض وسمّي البرازية بعلامة الحال والمحل وذلك كناية عن الحدث ((أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء )) وهو كناية عن الجماع ((فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء )) هذا مرتبط بالسفر والحدث واللمس ((فَتَيَمَّمُواْ )) معنى الآية بالجملة أنّ مريد الصلاة يلزم عليه الوضوء والغُسل إن كان جُنُباً -وإن كان مريضاً يضرّه الماء أو مسافراً أو مجامِعاَ- ولم يجد الماء للغُسُل أو الوضوء فليتيمّم، ويبقى قوله (أو جاءَ أحد منكم من الغائط) فإنه ليس في رديف تلك الأمور، ولعلّ الإتيان به مراعاة غَلَبة التخلّي عند إرادة الصلاة، وقد سبق أنّ التيمّم مصدر باب التفعّل بمعنى القصد، أي إقصدوا ((صَعِيدًا ))، أي أرضاً ((طَيِّبًا )) ليس بنجس ولا مغصوب ((فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ)) الباء للتبعيض، أي بعض وجوهكم وهو من قصاص الشعر إلى طرف الأنف الأعلى ((وَأَيْدِيكُم )) من الزند إلى رؤوس الأصابع ((مِّنْهُ ))، أي مبتدِءاً بالمسح من ذلك الصعيد فاللازم أن يضرب باليدين على الأرض ثم يمسح بها -ليصدق (منه)- ((مَا يُرِيدُ اللّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ )) من ضيق فأمره بالوضوء والغُسل والتيمّم ليس لأجل التضييق عليكم ((وَلَكِن يُرِيدُ)) الله سبحانه ((لِيُطَهَّرَكُمْ )) وينظّفكم من الأدران وال,ساخ الظاهرية والباطنية، أما تطهير الغُسل والوضوء من الأدران فظاهر وأما تطهير التيمّم فقد ثَبَتَ في العلم الحديث أنّ التراب يقتل الجراثيم بمرتبة أضعف من مرتبة الماء -أنظر : الخليلي ، سلسلة منابع الثقافة الإسلامية ، إصدار كربلاء (العراق)- ((وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ )) بإرشادكم إلى مصالحكم كلها بعد ما أرشدكم إلى أكبر النِعَم وهو الإيمان ((لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)) إياه بما أنعم عليكم وأرشدكم إلى مصالحكم وما يقرّبكم منه سبحانه .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
7
((وَ)) إذ أتمّ سبحانه نعمته عليكم فـ ((اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ وَ)) اذكروا ((مِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُم بِهِ ))، أي عهده الذي عاهدكم به من الإيمان والسمع والطاعة فقد أخذ سبحانه ميثاق الأمم على يد الأنبياء ((إِذْ قُلْتُمْ )) بعد ما آمنتم ((سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا )) فعليكم حسب المعاهدة السمع والطاعة وعلى الله الإسعاد في الدنيا والآخرة والله سبحانه فَعَلَ ما عليه فعليكم أن تفعلوا ما عليكم ((وَاتَّقُواْ اللّهَ )) فلا تخالفوا أوامره ونواهيه ((إِنَّ اللّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ)) في الظلال قال : وذات الصدور أي صاحبة الصدور الملازمة لها اللاصقة بها وهي كناية عن النيّات المقيمة والأسرار الدفينة والمشاعر التي لها صفة الملازمة للقلوب والإستقرار في الصدور وهي على خفائها هناك مكشوفة لعلم الله والله بها عليم .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
8
ثم يرجع السياق إلى لزوم الجادة وعدم الإعتداء -كما سبق- في قوله (ولا يجرمنّكم شنآن قومٍ أن صدّوكم) كما تجد مثل ذلك كثيراً في القرآن الحكيم حيث يلطّف الجو بذِكر الصلاة ونحوها ثم يرجع إلى المطلب السابق بعدما لطّف الجو وربطه بالطابع الإلهي العام وأخرج الكلام عن كونه مملّاً ثم إنّ ما يأتي هو من الميثاق الذي واثَقَ الله عياده به ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلّهِ ))، أي كثيري القيام لأمر الله سبحانه ورضاه ((شُهَدَاء بِالْقِسْطِ ))، أي بالعدل في كل أمر من الأمور ((وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ ))، أي لا يحملنّكم ((شَنَآنُ قَوْمٍ ))، أي عدائهم لكم ((عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ )) في الحُكم عليهم والسيرة بينهم، فإنّ الإنسان إذا عادى شخصاً لا يعدل بالنسبة إليه -غالباً- إنتقاماً وشفاءاً لما في صدره من الضغينة عليه ولذا كان من أُسُس الإسلام قول الحق في الرضا والغضب ((اعْدِلُواْ هُوَ ))، أي العدل ((أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى )) وليس المفهوم أنّ الجَور قريب إلى التقوى فإنّ التفضيل في مثل المقام ينسلخ عن معناه اللغوي ((وَاتَّقُواْ اللّهَ )) باجتناب نواهيه والإتيان بأوامره ((إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)) فيجازيكم على أعمالكم إن خيراً فخير وإن شراً فشر .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:20 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
9
((وَعَدَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ )) بالله ورُسله وما جائوا به ((وَعَمِلُواْ )) الأعمال ((الصَّالِحَاتِ )) وذلك يلازم ترك السيئات ((لَهُم مَّغْفِرَةٌ )) لذنوبهم ((وَأَجْرٌ عَظِيمٌ)) وجملة (لهم مغفرة) في موضوع نصب مفعولاً لوعد ولعل سر الإتيان بالجملة إفادة أنّ المطلب مقطوع به فإنّ الجملة الإسمية تفيد اليقين .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
10
((وَالَّذِينَ كَفَرُواْ )) فلم يؤمنوا إيماناً صحيحاً ((وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا )) ببراهيننا وأدلّتنا التي أقمناها على التوحيد وسائر الأصول ((أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ)) الذين يصاحبون النار ويخلدون فيها .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
11
ثم ذَكَّرَ المؤمنين بنعمة من نعمه سبحانه وأنه كيف وفّى لهم بميثاقه حيث أنقذهم من كيد أعدائهم ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ ))، أي قَصَدَ وأرادَ ((قَوْمٌ أَن يَبْسُطُواْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ )) والمراد ببسط اليد إيذائهم وقتلهم واستئصالهم، قال القمي : يعني أهل مكة من قبل فتحها، فكفّ أيديهم بالصلح يوم الحديبية، وقيل أن المراد بذلك العموم، أي مَن أرادَ السوء بالمسلمين، وقيل المراد بالقوم خصوص بني النظير حيث أرادوا قتل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فأُخبر بذلك فنُجّي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) من كيدهم، وقيل غير ذلك ((فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ ))، أي منعهم عن الفتك بكم بل نصركم عليهم ((وَاتَّقُواْ اللّهَ )) بامتثال أوامره واجتناب زواجره ((وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ)) يكلون إليه سبحانه أمورهم ويجعلونه نصيراً وظهيراً لهم .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
12
لو كانت الآية السابقة حول بني النظير -وهم من اليهود- لكان الإرتباط بين الآيتين واضحاً إذ بيّن سبحانه هنا أنهم خانوا الأنبياء من قبل ما تفضّل الله عليهم بكل خير ونعمة فكيف لا يريدون خيانة الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ويحتمل أن يكون الإرتباط منجهة الميثاق فيريد سبحانه أن يذكّر المسلمين حتى لا يكونوا كاليهود الذين خانوا ونقضوا الميثاق بعد أخذه منهم إذ قد سبق قوله (وميثاقه الذي واثَقَكُم به) ((وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَآئِيلَ)) العهد الأكيد الذي أخذه الله منهم على لسان أنبيائه ((وَبَعَثْنَا مِنهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا )) من النقب وهو الكشف، فكان النقيب -وهو كفيل القوم- ينقب عن أسرارهم ويكشف ضمائرهم ليسير بهم نحو الخير والصلاح في المجتمع، أي أمرنا موسى بأن يبعث من الأسباط الإثني عشر إثنى عشر رجلاً كالضلائع يتحسّبون ويأتون بني إسرائيل بأخبار أرض الشام وأهلها الجبارين فاختار من كل سبط رجلاً يكون لهم نقيباً، أي أميناً كفيلاً، فرجعوا يهنون قومهم عن قتالهم لما رأوا من شدة بأسهم وعُظم خَلقهم إلا رجلين منهم بن يوقنا يوشح بن نوى ((وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ))، أي قال لبني إسرائيل وكونه معهم بمعنى أنه يؤيدهم وينصرهم ويهديهم ((لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاَةَ )) يامعشر بني إسرائيل ((وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ ))، اي أعطيتموها ((وَآمَنتُم بِرُسُلِي )) الذين يأتون من بعد موسى (عليه السلام) ولذا أخّرَ الإيمان من إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ((وَعَزَّرْتُمُوهُمْ ))، اي عظّمتموهم أو نصرتموهم ((وَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضًا حَسَنًا ))، أي أنفقتم في سبيله فإنه كالقرض الذي يُعطى ثم يُؤخذ والمراد بكونه حسناً أن لا يكون فيه مَنّ ولا إيذاء ولا دواعي غير الله سبحانه ((لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ ))، أي أُذهبنّ، ومعنى التكفير التغطية، أي أُغطّي بالغفران ((سَيِّئَاتِكُمْ)) التي صدرت منكم وهو جواب (لئن أقمتُم) ((وَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ ))، أي من تحت قصورها وبساتينها ((فَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ ))، أي بعد أخذ الميثاق ((مِنكُمْ )) يابني إسرائيل ((فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ))، أي أخطأ وسط الطريق فإنّ (سواء) كل شيء وسطه .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
13
((فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ ))، أي بسبب نقض اليهود ميثاقهم الذي كان بين وبينهم حيث أنهم تركوا الصلاة ورفضوا الزكاة وكذّبوا بالرُسُل وقتلوهم ((لَعنَّاهُمْ ))، أي طردناهم عن ساحة القُرب وقطعنا رحمتنا منهم حيث جعلنا بعضهم قردة وخنازير وجعلناهم مشرّدين مطرودين دائماً لا تقوم لهم قائمة ((وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً )) يابسة غليظة تنبو عن قبول الحق وتميل نحو الظلم والكفر وجعله سبحانه قلوبهم قاسية بمعنى تركه اللُطف بهم حتى ردئت ملكتهم كمن يعصي إستاذه في أوامره قيترك تدريسه وتهذيب أخلاقه حتى يصبح جاهلاً ذا أخلاق سيئة ((يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ )) جمع كلمة ((عَن مَّوَاضِعِهِ )) وتحريفهم الَلِم على قسمين بمحو بعض التوراة وإثبات غيره مكانه وقسم بتأويله على غير المعنى المقصود منه ((وَنَسُواْ حَظًّا ))، أي قسماً ((مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ ))، أي من الأحكام التي ذكرناهم في التوراة بتلك الأحكام فإنه قد فُقَدَ بعض التوراة مما لا يعلّمونه الأمة، أو المراد من النسيان أ،ه صار كالمعنى عندهم من جرّاء عدم العمل، فإنّ النسيان يُطلق على ما أهمله الإنسان، يُقال : نسيني، أي أهملني، قال سبحانه (نسوا الله فنَسِيَهُم) ((وَلاَ تَزَالُ )) يارسول الله ((تَطَّلِعُ )) باستمرار ((عَلَىَ خَآئِنَةٍ مِّنْهُمْ ))، أي طائفة خائنة أو نفس خائنة إذا قالوا قولاً خالفوه وإذا عاهدوا عهداً نقضوه -كما أراد بنو النظير الغدر به والخيانة بعد الميثاق ((إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْهُمُ)) أما الإستثناء من الجميع أو من الجملة الأخيرة، فإنّ (قليلاً منهم) ليسوا كذلك كعبد الله بن سلام أو إنّ قليلاً منهم لا يخون ((فَاعْفُ عَنْهُمْ ))، أي عن هؤلاء ((وَاصْفَحْ ))، أي تجاوز فإنّك لستَ منتقِماً وإنّ ذلك ليس من شأنك ((إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ)) فإنّ العفو والصفح إحسان والإحسان محبوب حتى بالنسبة إلى المجرم .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
14
هذا كان شأن اليهود أما النصارى فليسوا أحسن حالاً من اليهود من بعض الجهات ((وَمِنَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى )) قولاً باللفظ لا إعتقاد بالقلب كما تقول : فلان يقول أني مسلم، تريد بذلك أنه ليس بمسلم حقيقة بل مسلم قولاً ((أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ )) من إقامة الصلاة وإيتاء لزكاة والإيمان بالرُسُل واتّباع أوامر الله ((فَنَسُواْ حَظًّا مِّمَّا ذُكِّرُواْ بِهِ )) كما نسي اليهود ذلك من ذي قَبل ((فَأَغْرَيْنَا )) التسليط والتحريش والتحريض ((بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ)) فإنهم إنقسموا إلى أقسام وأخَذَ بعضهم يعادي بعضاً عداءاً لا مثيل له حتى إنّ عداء بعضهم لبعض بَلَغَ إلى حيث لم يبلغ عدائهم لليهود والمسلمين والوثنيين وقد شهد التاريخ قديماً مذابح من فرق النصارى ومعادات الكاثوليك والبروتستانت والأرثوذكس فعلاً لا يحتاج إلى برهان وهذا أحد معاجز القرآن الحكيم كإخباره عن ذلّة اليهود وأنه ضُربت عليهم الذلّة والمسكنة، وهنا سؤال أنه كيف يكون إلى يوم القيامة وفي زمان المهدي (عليه السلام) يُسلم الكل وجهه إلى الله ثم أنّ يوم القيامة إنما يكون بعد موت الناس عشرات السنوات ؟ والجواب : أنّ هذا معناه بقاء العداوة ما بقوا يعتبر عن إستمرار الشيء إلى الأخير بمثل هذا التعبير ((وَسَوْفَ )) في يوم القيامة ((يُنَبِّئُهُمُ اللّهُ ))، أي يُخبرهم سبحانه ((بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ)) ويقف التعبير إلى هذا الحد ليرسم صورة من التهديد كما تقول للمجرم غداً أُنبّئك بما عملتَ اليوم، تريد بذلك تهديده بالعقاب القاسي .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:21 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
15
ثم خاطب سبحانه أهل الكتاب بصورة عامة يهديهم سواء السبيل ((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ )) أيها اليهود والنصارى -ولعلّ المجوس أيضاً داخل في الخطاب- ((قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا )) محمد (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِّمَّا كُنتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ )) من أحكام الله سبحانه التي عارضت مصالحهم فأخفوه عن الناس إبقاءً على كيانهم وإنحرافهم ((وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ )) من ما إستوجبوه من العقاب أو يعفو عن بعض الأحكام التي أوجبت عليهم عقوبة كما قال سبحانه (فبظلمٍ من الذين هادوا حرّمنا عليهم طيّبات أُحلّت لهم) فالفرصة سانحة الآن لتتداركوا ما فات منكم ((قَدْ جَاءكُم )) ياأهل الكتاب ((مِّنَ اللّهِ نُورٌ )) هو الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فكما إنّ النور الخارجي يهتدي به إلى الأمور المحسوسة في الظلمة كذلك النور المعنوي يهتدي به إلى دروب الحياة في ظلمات الأهواء والجهل ((وَكِتَابٌ مُّبِينٌ)) هو القرآن فإنه واضح لا لبس فيه ولا غموض .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
16
((يَهْدِي بِهِ ))، أي بكل واحد من النور والكتاب كما قال سبحانه (وانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنّه)، أي كلّ واحد منهما ((اللّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ ))، أي من اتّبع رضوان الله -أي رضاه- بقبول القرآن ونبوّة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((سُبُلَ السَّلاَمِ ))، أي طرق السلامة في كل شيء السلامة في الدين والسلامة في الآخرة للفرد وللمجتمع ((وَيُخْرِجُهُم مِّنِ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ )) فإنّ الحياة ظلمات لا يدري الإنسان كيف يسير في دروبها وبالقرآن والنبي يهتدي إلى الحق ويُنير طريقه ((بِإِذْنِهِ )) بإذن الله ولُطفه ((وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)) يوصلهم إلى سعادة الدنيا والآخرة .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
17
إنه يهدي إلى الصراط المستقيم في العقيدة لا الإعتقاد بأنّ المسيح هو الله أو الإعتقاد بأنّ لله أبناء ((لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَآلُواْ إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ )) فإنه سواءً جعلوه إلهاً واحداً أو شريكاً له كفروا إذ إنكار الله سبحانه والتشريك معه كلاهما كفر ((قُلْ )) يارسول الله في إبطال قولهم ((فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا ))، أي من يقدر على أن يدفع أمراً من أوامر الله وإرادة من إراداته ((إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعًا )) إنّ المسيحيون معترفون بذلك وأنه بإمكان الله أن يهلك كل أولئك فكيف يجتمع هذا الإعتراف مع الإعتقاد بإلوهيّة المسيح أنّ الإله لا يمكن لأحد مخالفة أمره التكويني فكيف يتمكن أحد إهلاكه ؟ ((وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا )) فكيف يمكن له شريك أنّ كلّ شيء يُتصوّر فهو مُلك لله وهل يمكن أن يكون إله مملوك ؟ ((يَخْلُقُ مَا يَشَاء )) إن شاء خلق من دون ذكر ولا أنثى كآدم وحواء (عليهما السلام) وإن شاء خلق من ذكر وأنثى كسائر الناس وإن شاء خلق من أنثى دون ذكر كالمسيح (عليه السلام) فليس في خلقه دلالة على ألوهيّته كما زعمت النصارى ((وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) ليست قدرته منحصرة في شيء أو أشياء خاصة حتى إذا كان خلق بمعنى ذلك الشكل دلّ على أنه ليس من خلقه .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
18
((وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاء اللّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ )) فإنّ النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) لمّا حذّرهم بنقمات الله وعذابه قالوا : نحن أبنائه، والإبن الحبيب لا يخاف من نقمة الأب الودود ((قُلْ )) يارسول الله لهؤلاء المفترين ((فَلِمَ يُعَذِّبُكُم )) الله ((بِذُنُوبِكُم )) ؟ حيث تعترفون بما حكى القرآن عنهم (وقالوا لن تمسّنا النار إلا أياماً معدودة) فإن كُنتم أبناءاً أحباءاً لم يكن معنى للعذاب ولعلّ المراد من المستقبل الماضي، أي لِمَ عذّبكم سابقاً بذنوبكم حيث جعل القِردة والخنازير وأشباه ذلك ((بَلْ أَنتُم )) أيها اليهود والنصارى ((بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ )) تعالى إن أحسنتم جوزيتم وإن أسئتم جوزيتم كما يُجازي غيركم من الناس ((يَغْفِرُ لِمَن يَشَاء )) من العاصين ((وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاء )) منهم أنه لا بنوّة ولا عواطف خاصة بين الله وبينكم ((وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )) فليس شيء من نفس الله حتى لا يملكه سبحانه -كما تدّعون أنتم من كونكم أبنائه- ((وَمَا بَيْنَهُمَا )) من سائر المخلوقات والمراد بالسماء هنا الكواكب وما يُرى في ناحيتها -كما هو المنصرف- حتى يتصوّر ما بينهما لا جهة العلو ((وَإِلَيْهِ )) سبحانه ((الْمَصِيرُ)) المرجع والمآل فليس هناك غيره يملك شيئاً أو يرجع إليه في أمر .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
19
((يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءكُمْ رَسُولُنَا )) محمد بن عبد الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((يُبَيِّنُ لَكُمْ)) الأصول والفروع ((عَلَى )) حين ((فَتْرَةٍ مِّنَ الرُّسُلِ ))، أي إنقطاع منهم فلم يكن قُرب بعثة النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) نبي وقد كُنتم في جهالة وضلالة والآن جاء المعلّم المنقذ الهادي ولعلّ سر الفترة تبيّن الأمر وبوضوح أنّ الدنيا لا تستقيم إلا بهدى السماء فإنه لما إنقطع الوحي في الفترة ساد العالم خراب وفوضى لا مثيل لها، وليكون تجربة عملية، وإنما جاء الرسول لئلا تحتجّوا و((أَن تَقُولُواْ )) يوم القيامة ((مَا جَاءنَا مِن بَشِيرٍ وَلاَ نَذِيرٍ )) حتى نهتدي ونصلح ((فَقَدْ جَاءكُم بَشِيرٌ)) لمن آمن واتقى بالجنة ((وَنَذِيرٌ )) لمن كفر أو عصى بالنار ((وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) يقدر على أن يُرسل الرسول فليس لشخص أن يقول : كيف يكون هذا رسولا ؟ .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
20
ويرجع السياق إلى قصة بني إسرائيل الذين ينقضون كل المعاهدات والمواثيق وأنهم لم يفوا بموسى نبيّهم المعترف به فكيف يفون بغيره ممن لا يعترفون به عناداً وحسداً ((وَ)) اذكر ((إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ )) فقابلوها بالإطاعة واتباع الأحكام ((إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنبِيَاء )) فقد كان سبعون نبيّاً في عهد موسى (عليه السلام) ولعل سر كثرة الأنبياء في تلك الأزمنة كون البشر في مثل حالة الأطفال الذين يحتاجون إلى متعدّد من المربّين بخلاف عهدي عيسى (عليه السلام) والرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كان كمل نضج البشر أكثر فأكثر كالكبار الذين لا يحتاجون إلا إلى مرشد واع، وهنا نكتة لابد من ذكرها وهي أنّ الإنهزامية الغربية التي غزت نفوس المسلمين جعلهم يفكرون حول الأنبياء والأمم كما فكّر دارون وتلاميذه القائلون بالتطوّر مع العلم أنّ القرآن والسنّة يكذبون ذلك وأنّ أول بشر على وجه الأرض كان نبيّاً أوتي من جميع أولاده وزوجته الذين بُعث إليهم نبيّاً وهكذا تسلسلت الأمم كلما إبتعدوا عن النبي توحّشوا وكلما إقتربوا إليه إرتقوا مدارج الإنسانية وبنو إسرائيل كانوا أمة بعيدة عن الإنسانية والفضيلة -بأنفسهم- لا إنّ قبلهم كانوا أكثر توحشاً كما يقول "المتطورون" ويتصورون كذباً واختلافاً وتقليداً : إنسان الغاب وقبله القرد ومن حُسن الحظ أنّ علماء الغرب نقدوا رأي دارون وأقاموا أدلة على بطلانه لكن المنهزمون عندنا بعدهم في هزيمتهم النكراء يلعقون قصاع دارون ((وَجَعَلَكُم مُّلُوكًا)) فقد كان فيهم الملوك والساسة والقادة ((وَآتَاكُم ))، أي أعطاكم ((مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن الْعَالَمِينَ)) من إنزال المن والسلوى والتفضيل على سائر الأمم الذين في زمانهم بجعلهم من نسل الأنبياء ولبث الأنبياء منهم وجعلهم ملوكاً وإغراق أعدائهم إلى غيرها .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:22 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
21
((يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الأَرْضَ المُقَدَّسَةَ)) وهي أرض الشام التي قُدّست وطُهّرت من الشرك وبوركت بكثرة الأشجار والأنهار وطيب الهواء وكثرت فيها الأنبياء وقد كانوا في مصر عبيداً وها هم نجو من أعدائهم ويريد الله بهم أن يدخلوا الشام ليكونوا فيها سادة وملوكا ((الَّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ )) فيها السيادة والسعادة ((وَلاَ تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ ))، أي لا ترجعوا عن الأرض التي أُمرتم بدخولها ((فَتَنقَلِبُوا خَاسِرِينَ)) سعادة الدنيا وثواب الآخرة بسبب عدم مكان مريح لكم في الدنيا وعدم سماع أمر الله الموجب لحرمانكم من الثواب في الآخرة .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
22
((قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا )) في الأرض المقدّسة ((قَوْمًا جَبَّارِينَ )) شديدي البأس والبطش ((وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا ))، أي الأرض المقدّسة ((حَتَّىَ يَخْرُجُواْ ))، أي يخرج الجبّارون ((مِنْهَا )) هم بأنفسهم بدون تعب أو نصب أو قتال ((فَإِن يَخْرُجُواْ مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ)) فيها، قال في المجمع (بتلخيص) : قال المفسّرون لمّا عبر موسى وبنو إسرائيل البحر وهلك فرعون أمَرَهم سبحانه بدخول الأرض المقدّسة فلما نزلوا على نهر الأردن خافوا من الدخول فبعث موسى من كلّ سبط رجلاً وهم الذين ذكرهم الله في قوله وبعثنا منهم إثني عشر نقيباً فعاينوا من عظم شأنهم وقوّتهم شيئاً عجيباً فرجعوا إلى بني إسرائيل فأخبروا موسى (عليه السلام) بذلك فأمَرَهم أن يكتموا ذلك فوفى إثنان منهم يوشع بن نون وكالب بن يوقنا وعصى العشرة وأخبروا بذلك وفشا الخبر في الناس فقالوا : إن دخلنا عليهم تكون نسائنا وأهالينا غنيمة لهم، وهمّوا بالإنصراف إلى مصر وهمّوا بيوشع وكالب أن يرجموهما بالحجارة فاغتاظ لذلك موسى وقال : إني لا أملك إلا نفسي وأخي، فأوحى الله إليهم أنهم يتيهون في الأرض أربعين سنة وإنما يخرج منهم من لم يعصِ الله في ذلك، فبقوا في التيه أربعين سنة في ستة عشر فرسخاً وهم ستمائة ألف مقاتل لا تتخرق ثيابهم وتثبت معهم وينزل عليهم المن والسلوى ومات النقباء غير يوشع وكالب ومات أكثرهم ونشأ ذريتهم فخرجوا إلى حرب أريما وفتحوها .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
23
((قَالَ رَجُلاَنِ )) هما يوشع وكالب ((مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ )) الله تعالى فيتّبعون أوامره وزواجره ((أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا )) بالدين والعقل ((ادْخُلُواْ )) يابني إسرائيل ((عَلَيْهِمُ ))، أي على هؤلاء الجبّارين ((الْبَابَ ))، أي باب المدينة ((فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ )) إلى الباب ((فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ )) فقد كان أخبرهم موسى (عليه السلام) بالنصر ((وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ )) في نصرة الله لكم على الجبّارين ((إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)) إيماناً حقاً فإنّ من توكّل على الله كفاه .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
24
((قَالُواْ ))، أي بنو إسرائيل لموسى (عليه السلام) ((يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا ))، أي لن ندخل المدينة ((أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا ))، أي ما دام الجبارون في المدينة فقد خافوا منهم ولم يثقوا بوعد الله النصر لهم ((فَاذْهَبْ )) ياموسى ((أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا )) الجبارين ولعلّ مرادهم ليس ما ينافي نزاهة الله عن التجسيم بل قصدوا أن يدفعهم الرب، كما قال سبحانه (ولكن الله رمى) وقال (وجاء ربك)، ولذا لم ينكر موسى (عليهم السلام) مقالتهم، أو قصدوا التجسيم وأنكر موسى لكن القرآن لم يحكِ ذلك لأنه ليس بصدد بيان الواقعية بكل مزاياها ((إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)) ننتظر تطهير المدينة من الجبارين حتى ندخلها أما أن نحارب الجبارين فلا طاقة لنا بذلك ولا نقدم عليها .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
25
((قَالَ )) موسى (عليه السلام معتذراً لله عن مخالفة قومه مخاطباً لله سبحانه ((رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلاَّ نَفْسِي وَأَخِي )) هارون فإنّ نفسي هي التي تطيع أوامرك وكذلك أخي هو الذي يطيعني ويسمعني إذا أمرته بشيء أما هؤلاء فليسوا كذلك أما يوشع (عليه السلام) ومن كان على شاكلته فلعلهم لم يكونوا حاضرين إذ ذاك عند هذا الحوار ((فَافْرُقْ ))، أي أفصِل اللهم ((بَيْنَنَا )) أنا والأخ ((وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)) الذين لا يطيعون الأوامر والمراد بالفرق عدم إجراء حكم واحد عليهم في الدنيا والآخرة فإنهما (عليهما السلام) قد باينا قومهما بالإطاعة حين عصى أولئك .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
26
((قَالَ )) الله تعالى لموسى (عليه السلام) وإذ عصوني ولم يؤمنوا بوعدي ((فَإِنَّهَا ))، أي الأرض المقدّسة ((مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ )) دخولها، أي نمنعهم عنها ((أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ )) من تاه إذا ضلّ ولم تهتدِ الطريق إلى مقصده ((فِي الأَرْضِ )) فإنهم كانوا يمشون إلى الليل فإذا أرادوا في اليوم الثاني السفر رأوا أنفسهم في مكانهم السابق ((فَلاَ تَأْسَ ))، أي لا تحزن ((عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)) وإنهم كيف تاهوا أربعين سنة ووقعوا في هذه الصعوبة .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
27
إنّ حال اليهود في نقض العهد وارتكاب الفواحش بلا مبرر حال إبني آدم (عليه السلام) هابيل وقابيل فإنّ الله أوحى إلى آدم أن يدفع الوصية وإسم الله الأعظم إلى هابيل وكان قابيل أكبر فبلغ قابيل فغضب فقال أنا أولى بالكرامة والوصية فأمرهما أن يقرّبا قرباناً بوحي من الله إليه ففعلا فتُقبّل قربان هابيل حيث أخلص وقدّم خير ما له ولم يُتقبّل قربان قابيل حيث أساء النيّة وقدّم شر ما له، ولما رأى قابيل أنّ قربانه لم يُقبل حسد وعمد إلى هابيل ووضع رأسه بين حجرين فشدخه فمات ولم يدرِ ماذا يصنع بجثته فجاء غرابان فقتل أحدهما الآخر ودفن جثته فتعلّم قابيل فدفن جثة هابيل ((وَاتْلُ ))، أي إقرأ ((عَلَيْهِمْ ))، أي على اليهود ((نَبَأَ ))، أي خبر ((ابْنَيْ آدَمَ )) هابيل الصالح وقابيل الطالح ((بِالْحَقِّ ))، أي تلاوة بالحق والصدق فليس فيه كذب وهين ((إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا )) القربان هو ما يقصد به التقرّب إلى الله تعالى ((فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا)) وهو هابيل (( وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ )) وهو قابيل، قالوا : وكانت علامة القبول أن تأتي نار من السماء فتأكل ما تُقبّل فأكلت النار قربان هابيل ولم تأكل قربان قابيل ((قَالَ)) قابيل الذي لم يُتقبّل قربانه لهابيل (عليه السلام) ((لَأقْتُلَنَّكَ)) حسداً وعناداً ((قَالَ )) هابيل (عليه السلام) : وما ذنبي ؟ ((إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)) ولعل هذا كان تنبيهاً له لأن يتّقي الله حتى يحبوه بكرامته ولم يكن تبجّحاً قطعاً .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:22 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
28
ثم قال هابيل (عليه السلام) لقابيل ((لَئِن بَسَطتَ ))، أي مددت ((إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ))، أي تريد قتلي ((مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ ))، أي ماد ((يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ )) فإنّ من يريد قتل إنسان ظلماً لا يجوز للمظلوم إلا المدافعة لا قتل الظالم إلا إذا توقّف الدفاع عليه، أو المراد : إن أردتَ قتلي ظلماً فإنّي لستُ أريد قتلك كذلك ((إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)) في أن أقتل أحداً ظلماً .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
29
((إِنِّي أُرِيدُ أَن تَبُوءَ ))، أي ترجع أنت ياقابيل ((بِإِثْمِي ))، أي إثم قتلي ((وَإِثْمِكَ ))، أي وِزرك الذي عليك من غير جهة القتل ومعنى الإرادة هنا مجازي لأنه مقابل إرادة الفاعل فإنّ الإنسان إذا أراد شيئاً يقول : أردتُ ، وإذا لم يرد أن يفعله وأراد غيره فعله يقول : أردتُ أن يفعله غيري، فالتعبير بالإرادة هنا للمقابلة نحو قوله (تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك) فقولنا : أريد أن تُذنب يُراد به : إني لا أذنب بل أنت تحمل الذنب، لا إنه إرادة حقيقة من المتكلم لذنب المخاطب فلا يُقال : كيف يصح أن يريد هابيل (عليه السلام) أن يأثم قابيل ((فَتَكُونَ )) أنت ياقابيل ((مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ )) الملازمين لها ((وَذَلِكَ جَزَاء الظَّالِمِينَ)) الذين يظلمون أنفسهم .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
30
((فَطَوَّعَتْ ))، أي شجّعت ((لَهُ ))، أي لقابيل ((نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ )) هابيل ((فَقَتَلَهُ )) قالوا قتله غيلة ((فَأَصْبَحَ )) قابيل ((مِنَ الْخَاسِرِينَ)) الذين خسروا الدنيا والآخرة .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
31
وحينما قتله لم يدرِ كيف يصنع بجثته لأنه لم ير من قبل ذلك ميتاً ((فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ ))، أي يتطلب ويفتّش ويثير التراب ليدفن الغراب الآخر الذي قتله إذ جاء غرابان فاقتتلا فقتل أحدهما الآخر فدفنه ((لِيُرِيَهُ ))، أي يُري الغراب قابيل ((كَيْفَ يُوَارِي ))، أي يستر ((سَوْءةَ ))، أي جثة ((أَخِيهِ )) وإنما سمي البدن "سوئة" لأنه سائه بدنه المقتول ((قَالَ )) قابيل لما رأى فعل الغراب ((يَا وَيْلَتَا ))، أي ياويلي، والويل بمعنى الهلاك، أي ياهلاكي احضر فهذا أوانك، نحو ياعجباً ((أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ )) في العلم بكيفية الخلاص من جثة أخي ((فَأُوَارِيَ ))، أي أستر بالتراب ((سَوْءةَ أَخِي )) ثم دفنه ((فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)) على قتله، ولم يكن ندم توبة وإنما ندم فعل فلا يُقال : كيف يعاقَب وقد تاب ؟ ، قال إبن عباس : لما قتل قابيل هابيل أشاكَ الشجر وتغيّرت الأطعمة وحمضت الفواكه وأمّر الماء واغبرّت الأرض فقال آدم : قد حدث في الأرض حدث فأتى الهند فإذا قابيل قد قتل هابيل فأنشأ يقول :



تغيّرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبرّ قبيح




تغيّر كلّ ذي لون وطعم وقلّ بشاشة الوجه الصبيح

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
32
ولما حكى سبحانه قصة إبني آدم وأظهر بشاعة الجريمة ذكر جملة من الحدود على الجرائم وإبتدء بالقتل للتناسب فقال تعالى ((مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ )) أجل في اللغة بمعنى الجناية، يُقال : أجَلَ عليهم شراً أي جنى، أي من إبتداء تلك الجناية فـ (من) إبتدائية وذلك إشارة إلى قتل قابيل هابيل، أي من وقت تلك الجناية قررنا الحكم الآتي وهو : إنّ (مَن قَتَلَ نفساً) الآية، وبعض المفسرين يفسر (أجَل) بالمعنى المتعارف فالمعنى : من أجل الإعتداء الذي لا موجب له ولا مبرر على المسلمين الوارعين الذين لا يريدون شراً ولا مدافعة ((كَتَبْنَا ))، أي فرضنا ((عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ )) وليس الحكم خاصاً بهم وإنما أتى بذكرهم لأنهم مورد البحث والكلام وأنهم الذين عاكسوا أحكام الله وقتلوا أنبيائه ((أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا ))، أي إنساناً قتلاً ظلماً ((بِغَيْرِ نَفْسٍ ))، أي لا بمقابل نفص حتى يخرج قتل القاتل فرداً من الموضوع للحكم ((أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ))، أي لم يكن المقتول مُفسِداً حتى يستحق بذلك أن يُقتل ((فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا )) إنه باعتدائه على حياة بلا مبرر كان كمن إعتدى على الحياة كلها ((وَمَنْ أَحْيَاهَا )) لا إحياءاً من العدم بل إحياءاً بمعنى التحفظ على حياتها وإنجائها من الهلاك ((فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا)) حيث إنّ تحفّظه على حياة يكون كتحفّظ على الحياة كلها إنّ الحياة كلّ سارٍ في كلّ حي، فالتعدّي على فرد تعدّي على الكل كما إنّ التحفظ على فرد تحفّظ على الكل ((وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ))، أي أتت إلى بني إسرائيل -الذين يدور الكلام حولهم- ((رُسُلُنَا )) أنبيائهم ((بِالبَيِّنَاتِ ))، أي الأدلة الواضحة الدالة على صدق نبوّتهم ((ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم ))، أي من بني إسرائيل ((بَعْدَ ذَلِكَ ))، أي بعد مجيء الرُسُل إليهم ((فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ))، اي يجاوزون الحد فقد كانوا يستحلّون المحارم ويسفكون الدماء .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
33
وبمناسبة قتل النفس بغير حق ذَكَرَ سبحانه حُكم من يسعى في الأرض فساداً، وقد ورد في شأن نزول هذه الآية أنّ قوماً من بني ضبّة قَدِموا على رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مرضى فبعثهم إلى إبل الصدقة يشربون من أبوالها ويأكلون من ألبانها فلما برئوا واشتدوا قتلوا ثلاثة من كان في الإبل وساقوا الإبل، فبعث إليهم علياً (عليه السلام) فأسرهم فنزلت هذه الآية فاختار رسول الله القطع فقطع أرجلهم وأيديهم من خلاف، وفي بعض الروايات أنها نزلت في قُطّاع الطرق ولا منافات بين الأمرين ((إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ ))، أي يحاربون أوليائه فإن! محاربة المتعلّقين بشخص هو محاربة ذلك الشخص كقوله تعالى (يؤذون الله ورسوله) ((وَرَسُولَهُ ))، أي يحاربون رسوله وهذا أيضاً كذلك فإنّ محاربة أولياء الرسول محاربة للرسول ((وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا )) بالإفساد وشهر السلاح للإخافة، ولا يخفى أنه لو لم نقل بعموم الآية لكلّ من صدق عليه هذا الموضوع كان اللازم أن يحمل على قُطّاع الطرق لما ورد به الروايات وكأنه إعتبر محاربة الناس وإخافتهم محاربة لله والرسول ((أَن يُقَتَّلُواْ )) تقتيلا وإنما عدّى بالتفعيل لأنّ المراد منه قتل كلهم وباب التفعيل بدل على التكثير كما قال تعالى (وغلّقت الأبواب)، أي غلّقت كل باب ((أَوْ يُصَلَّبُواْ )) بالمشنقة و(أو) هنا للتخيير كما ورد عن الصادق (عليه السلام) والإختيار إلى الإمام في ذلك ((أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ )) فتُقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى فيكون قطع كل واحدة خلاف الجهة التي يقع فيها قطع الواحدة الأخرى ((أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ))، أي من بلد إلى بلد حتى يتوب ويرجع وقوله سبحانه (إنما) معناه أنّ جزائه ذلك فحسب لا جزاء له سواه ((ذَلِكَ )) الذي ذُكر أنه يفعل بهم ((لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا ))، أي عقوبة وفضيحة ((وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) في النار .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:23 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
34
((إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ )) فإنّ التوبة قبل الوقوع في يد حاكم الشرع تُقبل أما لو وقع ثم تاب فإنه لا تُقبل توبته بالنسبة إلى درء الحد بل يجري عليه الحد ((فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ )) يغفر ذنبهم ((رَّحِيمٌ)) لا يعاقبهم لا في الدنيا ولا في الآخرة .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
35
ثم يتوجه القرآن الحكيم إلى تربية الوجدان إلى جنب تربية الخارجين عن طاعته بالسيف والعقاب ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ )) بإتيان أوامره واجتناب زواجره ((وَابْتَغُواْ ))، أي أطلبوا ((إِلَيهِ الْوَسِيلَةَ )) السبب الذي يقرّبكم إليه سبحانه من فعل الخيرات والأعمال الصالحة ((وَجَاهِدُواْ فِي سَبِيلِهِ )) الخارجين ع طاعته ((لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ))، أي رجاء أن تفلحوا فإنّ الرجاء قائم في الفوز والفلاح ما دمتم تتّقون وتجاهدون .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
36
ولا تكونوا كالذين كفروا الذين لم يتّقوا ولم يجاهدوا ولا طلبوا رضاه سبحانه والوسيلة إليه ((إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ أَنَّ لَهُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعًا )) من المال والجاه ((وَمِثْلَهُ مَعَهُ )) بأن كان لهم ضعف ما في الأرض وهذا من باب المثل وإلا فالمراد كلّ شيء فإنّ اللفظ قد يأتي للكثرة لا للتحديد نحو (إن تستغفر لهم سبعين مرة) ((لِيَفْتَدُواْ بِهِ )) بما في الأرض ومثله بمعنى أن يجعلوه فداءاً لهم وبدلا ((مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ )) حتى ينجو كما إعتاد الفداء والخلاص في الدنيا ((مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ )) الفداء ((وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) مؤلم وموجع .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
37
((يُرِيدُونَ ))، أي يريد الذين كفروا ويتمنّوا ((أَن يَخْرُجُواْ مِنَ النَّارِ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنْهَا )) حيث أنّ عذابهم دائم لا إنقطاع له ولا مدة ((وَلَهُمْ عَذَابٌ مُّقِيمٌ)) دائم ثابت لا يزول .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
38
وهنا يرجع السياق إلى بيان الحدود التي إفتتحت بقصة إبني آدم ((وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ )) ذَكَرَ سبحانه كلّاً على حدة حتى لا يظن أنّ الحُكم لا يشتمل السارقة وقدّم السارق لأنه الغالب، وفي آية الزنا قدّم الزانية لامتهان بعض النساء للزنا ((فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا )) أربع أصابع من اليد اليمنى واليد تُطلق على مجموع العضو وإلى المرفق وإلى الزند وعلى الأصابع فقط ولم يقل يداهما لما استحسن في العربية من أنه متى إجتمع تثنيتان مضافة أحديهما إلى الأخرى حيء بالأول بلفظ الجمع كقوله سبحانه (فقد صَغَت قلوبكما) ولعلّ الأصل أنّ الجوارح في الإنسان أكثر من واحد فتكون في إنسانيين جمعاً والفاء أتى في الخبر دلالة على الترتّب والمجازات وللقطع شروط مذكورة في الفقه ((جَزَاء بِمَا كَسَبَا )) من السرقة ((نَكَالاً مِّنَ اللّهِ ))، أي عقوبة على ما فعلاه ((وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ)) يأخذ بعزّته ويحكم بذلك بحكمته .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
39
((فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ )) بأن ندم عن السرقة ((وَأَصْلَحَ )) صار صالحاً ((فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ )) ويغفر ذنبه ((إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ)) يغفر لمن تاب ويرحم عباده العصاة إذا ندموا وأقلعوا .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
40
إنّ ما ذُكر من عقاب الله وغفرانه مقتضى سلطته المطلقة ((أَلَمْ تَعْلَمْ )) أيها الإنسان ((أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ )) له التصرّف في الجميع كما يشاء ((يُعَذِّبُ مَن يَشَاء )) ممن إستحقّ العقاب ((وَيَغْفِرُ لِمَن يَشَاء )) حسب حكمته البالغة ((وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)) فلا يعجزه شيء .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
41
وفي سياق بيان الحدود وذِكر مساوئ اليهود يتعرّض القرآن الحكيم إلى قصة زنا وقعت في اليهود وراجعوا الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في حكمه فقد روي عن الإمام الباقر (عليه السلام) ما ملخصه : أنّ إمرأة شريفة من خيبر زنت وقد كان حكم زنا المحصّن في التوراة الرجم لكنهم راجعوا النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) رجاء أن يخفّف بذلك فأفتاهم النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالرجم وذَكَرَ أنه حكم التورات أيضاً، لكن جماعة من علمائهم أنكروا ذلك فجعل الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) "إبن صوريا" أعلمهم حَكَماً فاعترف هو أنّ الحكم في التوراة هو الرجم وأنهم حرّفوا التوراة فوضعوا مكانه أن يُجلد أربعين جلدة ثم يُسوّد وجهه ويُطاف على الحمار مقلوباً تشهيراً به !، وفي بعض التفاسير أنه كان بني نضير وقريضة معاهدة في باب القتل على خلاف حكم التوراة فقد كان حكم التوراة القتل للقاتل ولكن كانت معاهدة بين القبيلتين أنه إن قتل قريضة من النضير قُتل القاتل وإن قتل نضير من قريضة أثخذت الديّة فأراد بنو قريضة المراجعة إلى النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في الحكم ليحكم لهم بحكم التوراة وقال "إبن أُبَي" المنافق الصديق لهم إنّ حكم محمداً (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما ترضون -يريد خلاف حُكم التوراة- فارضوا به وإلا فلا تقبلوه .
أقول : ومن المحتمل كون الآية إشارة إلى القصتين وعلى أيّ حال فالله سبحانه يُسلّي الرسول في مخالفة المنافقين واليهود له (صلّى الله عليه وآله وسلّم) فقال سبحانه ((يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاَ يَحْزُنكَ ))، أي لا يوجب حُزنك وغمّك ((الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ ))، أي يُسرعون للدخول فيه فالقيام على خلافك وعدم قبول حكمك ((مِنَ )) المنافقين ((الَّذِينَ قَالُواْ آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ )) جمه فوه بمعنى الفم، أي إنّ إيمانهم لفظي وبمجرد الشهاديتن لا عن قلب وعقيدة وهو إبن أُبَي كما تقدّم ((وَلَمْ تُؤْمِن قُلُوبُهُمْ )) بل بقيت على كفرها وضلالها ((وَمِنَ الَّذِينَ هِادُواْ ))، أي اليهود والمراد بمسارعة اليهود في الكفر تركهم لأحكام التوراة وتمسّكهم بأحكام على خلاف ما أنزل الله فإنه كفر في مرتبة اليهودية وإن كان اليهود كفاراً من أصلهم وبمقتضى بقائهم على اليهودية ((سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ ))، أي هؤلاء اليهود -أو مع المنافقين- مبالغون في سماع الكذب وقبول ما تفتريه أحبارهم وشياطينهم ((سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ )) يارسول الله أنهم خاضعون بقول غيرك ممن لم يأتوك لتحكيمك في قصة الزنا أو في قصة القتل -كما تقول- ((يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ )) جمع كلمة، أي كلام الله تعالى ((مِن بَعْدِ مَوَاضِعِهِ ))، أي من بعد أن وضعه الله سبحانه في مواضعه كما حرّفوا حُكم زنا المحصن الذي هو الرجم إلى الجلد وكما حرّفوا حُكم القتل قصاصاً إلى الديّة ((يَقُولُونَ ))، أي يقول المنافقين واليهود بعضهم لبعض ((إِنْ أُوتِيتُمْ))، أي أعطاكم الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ((هَذَا )) وهو الجَلد في الزنا والديّة في القتل ((فَخُذُوهُ )) واقبلوه ((وَإِن لَّمْ تُؤْتَوْهُ )) هذا الحكم بل حكمه الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بما في التوراة من رجم الزاني وقتل القاتل ((فَاحْذَرُواْ )) عن قبول قوله، ثم توجّه الخطاب إلى الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) تسلية له عن نفاق المنافقين وتحريف اليهود قال سبحانه ((وَمَن يُرِدِ اللّهُ فِتْنَتَهُ ))ن أي إمتحانه فقد أراد الله سبحانه إختبار اليهود والمنافقين في هذه القضية ليتبيّن عنادهم وغيّهم وأنهم لا يرجعون إلى حكم الله ويظهر كذبهم في قولهم أنهم متدينون ((فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللّهِ شَيْئًا ))، أي لن تستطيع يارسول الله أن تدفع عنه من أمر الله شيئاً بل إرادته نافذة وحُكمه ماضٍ ((أُوْلَئِكَ )) المنافقون واليهود ((الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللّهُ أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ )) من الكفر فلم يلطف بهم اللطف الخاص -كما يلطفه على سائر المؤمنين- حتى يتطهّر قلوبهم من أدران الكفر إنّ الله سبحانه بيّن لهم الدلائل ونصب لهم الحُجج لكنهم أبوا من الرضوخ ولذا قطع الله تعالى لطفه عنهم ((لَهُمْ ))، أي للمنافقين واليهود ((فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ)) وفضيحة وذلة أما المنافقون فلظهور نفاقهم عند المؤمنين مما يوجب التنفّر عنهم وأما اليهود فبضرب الذلّة عليهم إلا بحبل من الله وحبل من الناس ((وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ)) إنّ المنافقين في الدرك الأسفل من النار واليهود معلوم الحال هناك .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:23 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
42
((سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ )) تكرير لتصوير واقعهم البشع فإنّ الإنسان إذا أراد أن يؤكّد شيئاً قاله أكثر من مرة حتى يقع في نفس السامع موقع القبول ((أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ )) جمع أكّال مبالغة أكل، أي كثيروا الأكل للرشوة وسائر أقسام الحرام ((فَإِن جَآؤُوكَ )) يارسول الله ليجعلوك حَكَماً فيما بينهم في قصة الزنا والقتل ((فَاحْكُم بَيْنَهُم )) بحًكم الله سبحانه ((أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ )) وقد جاز الإعراض لأنهم كانوا يعلمون بالحًكم حيث كان مثبوتاً في التوراة فلم يكن الإعراض يسبّب سحق حُكم الله سبحانه وجهالة المجتمع به ((وَإِن تُعْرِضْ عَنْهُمْ )) فلم تحكم بينهم ((فَلَن يَضُرُّوكَ شَيْئًا )) إذ النفع والضرر بيد الله سبحانه لا بيد غيره ((وَإِنْ حَكَمْتَ )) يارسول الله أنِ ((فَاحْكُم بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ ))، أي بالعدل الذي هو إجراء حُكم الله من رجم الزاني المحصن وقتل القاتل فرداً ((إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ))، أي العادلين الذين يعدلون في حكمهم .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
43
إنّ أمر هؤلاء اليهود عجيب فإنهم لا يعترفون بك رسولاً ومع ذلك يحكّمونك في قضيتهم وذلك ليس إلا لأنهم يريدون فراراً من حُكم التوراة إلى حُكم يطابق أهوائهم ((وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ ))، أي يجعلونك حكماً يارسول الله ((وَعِندَهُمُ التَّوْرَاةُ ))، أي والحال أنّ لديهم التوراة التي يعترفون بها كتاباً ((فِيهَا حُكْمُ اللّهِ )) بالنسبة إلى الزنا والقتل ((ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ )) التحكيم، أو من بعد حُكمك فلا يقبلون حُكمك أيضاً ((وَمَا أُوْلَئِكَ )) اليهود والمنافقون الذين حكّموك ثم تولّوا ((بِالْمُؤْمِنِينَ)) بالتوراة أو بحمكم وإنما يُظهرون الإيمان كذباً واختلافاً .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
44
ثم بيّن سبحانه أنّ التوراة التي أعرض عن حكمها في قصة الزنا والقتل كتاب سماوي يجب العمل به ومن المعلوم أن ليس المراد بذلك التوراة المحرّفة التي بأيدي اليهود اليوم فقد كان قسم من التوراة محفوظاً عن التحريف إلى زمان النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وإن كان القسم الآخر قد حُرّف قبل النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) كما أنّ المعلوم أنّ المراد كون التوراة في وقتها هدى ونور أما إذا جاء أهدى منها وأكثر نوراً ونسخ قسماً من أحكامها لم يُعمل بالمنسوخ منها وذلك كما لو قلنا أنّ القرآن هدى ونور يُراد المجموع من حيث المجموع لا أنه يُعمل به بالنسبة إلى الآيات المنسوخة حُكمها -على تقدير تسليم النسخ في القرآن- ((إِنَّا أَنزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى )) يهتدي به الناس إلى سُبُل الحق ((وَنُورٌ )) ينير دروب الحياة المظلمة -ولعل العطف لبيان- ((يَحْكُمُ بِهَا ))، أي التوراة ((النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُواْ)) لله وأذعنوا بحكمه ومن جملة أولئك الأنبياء الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) الذي حكم على طبقها في قصة الزاني والقاتل ((لِلَّذِينَ هَادُواْ ))، أي إنّ الحكم إنما كان للذين هادوا أما غيرهم من النصارى والمسلمين فإنما يُحكم بينهم حسب معتقدهم وقد ثبت في الشريعة جواز الحكم لكل أهل كتاب بكتابهم قال الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : "والله لو ثُنيت لي الوسادة لحكمتُ بين أهل التوراة بتوراتهم وبين أهل الإنجيل بإنجيلهم وبين أهل الزبور بزبورهم وبين أهل القرآن بقرآنهم" ، كما ثبت قولهم (عليهم السلام) : "إلزموهم بما إلتزموا به" ، ولكن من المعلوم أنه ليس كلّ الأحكام كذلك بل من الأحكام ما لا يجوز أن يحكم بها والقاعدة الكلية أنه كلما أجاز الإسلام أن يحكم به الحاكم على طبق دياناتهم جاز ذلك وكلما لم يجز كان اللازم الرجوع إلى حكم الإسلام ((وَ)) يحكم بالتوراة ((الرَّبَّانِيُّونَ )) وهم المتدينون، فإنّ (ربّاني) منسوب إلى رب على غير القياس ((وَالأَحْبَارُ )) جمع حبر بالكسر والفتح وهو العالم، أي أنّ الأنبياء والأتقياء والعلماء يحكمون بالتوراة وإنما يحكم هؤلاء بالتوراة ((بِـ)) سبب ((مَا اسْتُحْفِظُواْ ))، أي إستودعوا ((مِن كِتَابِ اللّهِ ))، أي حيث أنّ الله سبحانه جعلهم حافظين للكتاب وإئتمنهم عليه يحكمون بموجبه ((وَكَانُواْ عَلَيْهِ شُهَدَاء ))، أي أنّ النبيّين والربّانيين والأحبار كانوا شهداء على أنّ ما في الكتاب حق صدق والحاصل أنّ هؤلاء يحكمون بالتوراة لأنه وديعة عندهم وهم يسهدون بصدقه وحيث بيّن سبحانه أنّ التوراة يحكم بها أولئك الصفوة وأنهم محل وديعة والشهداء على صحته بيّن أنّ مقتضى ذلك أن يكون الإنسان المتّصف بهذه الصفات شجاعاً في إظهار أحكامه فلا يخون ولا يكتم ولا يخشى الناس ((فَلاَ تَخْشَوُاْ النَّاسَ )) في إظهار أحكام التوراة ومنها مسئلة رجم الزاني وقتل القاتل ((وَاخْشَوْنِ)) في ترك أمري وتحريف حكمي فإنّ النفع والضرر بيدي ((وَلاَ تَشْتَرُواْ بِـ)) مقابل ((آيَاتِي )) وأحكامي ((ثَمَنًا قَلِيلاً )) حيث أنكم إذا كتمتم الأحكام لأجل الرشوة والرئاسة كان كمن يعطي السلعة ليأخذ المال وكل شيء من المال والرئاسة في مقابل حُكم الله ثمن قليل لأنه يزول وينتقل وتبقى تبعة التحريف والكتملن والحكم بخلاف ما أنزل الله ((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ )) لعل وجه الإتيان بالنفي دون أن يقول : ومن حَكَمَ بغير ما أنزل الله ، ليشمل الحاكم بالخلاف والساكت الكاتم فإنّ من يعلم حُكم الله ويسكت ويكتم يكون مصداقاً لـ (مَن لم يحكم بما أنزل الله) ((فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)) ومن المعلوم أنّ عدم الحكم كفر عملي لا كفر إعتقادي إلا إذا رجع إلى الجحود لأصل من أصول الدين وإنكار ضروري من ضروريات الإسلام ويسمى كافراً لأنه ستر الحق فإنّ الكفر لغة بمعنى الستر .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
45
((وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ ))، أي على بني إسرائيل ((فِيهَا ))، أي في التوراة ((أَنَّ النَّفْسَ )) تُقتل ((بِـ)) مقابل ((النَّفْسِ )) فإذا قَتَلَ الإنسان شخصاً عمداً قُتل القاتل في قبال ذاك، ولعلّ هذه الآية تؤيد كون الآيات السابقة كانت بشأن قصة بني النضير وبني قريضة -كما تقدّم- ((وَالْعَيْنَ )) مفقوئة ((بِالْعَيْنِ )) أو معمية بها ((وَالأَنفَ )) مجدوعة ((بِالأَنفِ )) أما ذهاب الشم فلعله خلاف الظاهر وإن كان الحكم كذلك إذا أمكن ((وَالأُذُنَ )) مصلومة ((بِالأُذُنِ )) وفي ذهاب السمع ما تقدّم ((وَالسِّنَّ )) مقلوعة ((بِالسِّنِّ )) ولذلك كله شرائط مذكورة في كتب الفقه ((وَالْجُرُوحَ )) فيها ((قِصَاصٌ )) فمن جَرَحَ إنساناً جُرِح كما جَرَح ويدخل فيه الشفّة والذكر والبيضتان واليدان والرجلان وسائر أقسام الجروح والقصاص مشتق من قص بمعنى إتّباع الأثر كأنّ المجروح يتّبع أثر الجارح فيجرحه ((فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ ))، أي بالقصاص بأن عفى عنه وأسقطه وتنازل عن حقه ((فَهُوَ ))، أي التصدّق ((كَفَّارَةٌ ))، أي حط عن الذنوب ((لَّهُ ))، أي للمتصدّق المجروح، قال الصادق (عليه السلام) : "يكفّر عنه من ذنوبه بقدر ما عفى من جِراح أو غيره" ((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ )) تقدّم الكلام فيه ((فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)) الظلم هو ظلم النفس وظلم الغير، وقد إختلف التعبير هنا عن الآية السابقة (الكافرون) والآية التالية (الفاسقون) لإفادة أنّ مَن لم يحكم بما أنزل الله يتّصف بصفات ثلاث : أنه قد ستر حُكم الله وكتمه فهو كافر إذ الكافر بمعنى الساتر كما قال سبحانه (يُعجب الكفار) أي الزارع فالزارع كافر لأنه يستر الحبة تحت الأرض، وأنه قد ظلم نفسه لأنه عصى الله سبحانه في كتمان حُكمه وظَلَمَ المترافعين والمجتمع لأنّ حُكم الله هو الحق وسواه إنحراف وزيغ فهو ظالم، وأنه قد خرج بحُكمه ذاك أو سكرته عن الحق عن الجادة المستقيمة فهو فاسق إذ الفسق بمعنى الخروج والمروق .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
El-sew3a
professor
professor
avatar

ذكر عدد الرسائل : 3007
عدد النقاط : 200
احترام قوانين المنتدى :
100 / 100100 / 100

السٌّمعَة : 6
تاريخ التسجيل : 07/08/2008

بطاقة الشخصية
اسم المستعمل: TROY
الوطن : منـــــــــــــــــ السوعه تـــــــــــــدى
الرتبه : مدير

مُساهمةموضوع: رد: تفسير القران الكريم كامل   السبت نوفمبر 01, 2008 9:24 am

تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
46
ولما ذَكَرَ سبحانه اليهود إتجه الكلام إلى ذِكر النصارى مبيّناً أنّ الأنبياء من سلسلة واحدة وإنّ كتبهم كلها هدى ونور وأنّ بعضها يصدّق بعضاً ((وَقَفَّيْنَا )) من التقفية أصله القفو بمعنى إتّباع الأثَر يُقال قفّيته بكذا أي إتّبعته به ((عَلَى آثَارِهِم ))، أي آثار الأنبياء حيث قال سبحانه (يحكم بها النبيّون) ((بِعَيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ))، أي إتّبعنا على آثار النبيّين عيسى بن مريم فقد بعثناه رسولاً من بعدهم ((مُصَدِّقًا ))، أي في حال كون المسيح (عليه السلام) يصدّق ((لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ))، أي ما تقدّمه ((مِنَ التَّوْرَاةِ )) بيان ما ويُقال للسابق الزماني بين يديه تشبيهاً بالسابق المكاني الذي هو بين يدي الإسنان، أي في قباله ((وَآتَيْنَاهُ ))، أي أعطينا عيسى (عليه السلام) ((الإِنجِيلَ ))، أي أنزلنا عليه ((فِيهِ هُدًى وَنُورٌ )) تقدّم معنى ذلك ((وَمُصَدِّقًا ))، أي في حال كون الإنجيل مصدّقاً ((لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْرَاةِ )) فقد كان عيسى (عليه السلام) يصدّق التوراة وكتابه إنجيل يصدّها أيضاً ((وَهُدًى ))، أي أنّ الإنجيل كتاب هداية وإرشاد ((وَمَوْعِظَةً ))، أي واعظاً ((لِّلْمُتَّقِينَ)) الذين يتّقون الآثام، فهو يحذّرهم عن العقاب ويرشدهم ويحرّضهم إلى الثواب، وقد كرّر التصديق والهداية تأكيداً وتركيزاً .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
47
((وَلْيَحْكُمْ ))، أي يجب أن يحكم ((أَهْلُ الإِنجِيلِ بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فِيهِ )) من الأحكام والدلالات التي منها التبشير بالنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ووجوب إتّباعه ((وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ))، أي الديانات كلها من عند الله وأنّ الأنبياء كلهم سفراءاً له وحده وأنّ الكتب كلها مُنزّلة من عند الله فمن الضروري أن يحكم الأنبياء بالكتب المنزلة ويتّبع الأنبياء، والكتب أما ما حُرّف منها فليس من الله كما أنّ ما نُسخ منها فاللازم تركه لاتّباع الناسخ عوضه .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
48
ولما أتمّ الكلام حول التوراة والإنجيل -وهما الكتابان المتداولان في أيدي الناس- ذَكَرَ سبحانه القرآن الحكيم ((وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ )) يارسول الله ((الْكِتَابَ ))، أي القرآن الحكيم ((بِالْحَقِّ)) كتاباً بالحق لأنه ليس فيه باطل، أو إنزالاً بالحق حيث كان المنزِل والمنزَل عليه لهما ذلك، فالمنزِل إله يحقّ له التنزيل والتشريع، والمنزَل إليه رسول يحقّ له الأخذ والقبول ((مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ )) اللام للجنس، أي أنّ القرآن يصدّق ما سبقه من كتب الأنبياء ((وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ))، أي أنّ القرآن مهيمن على الكتاب المتقدّم، ومعنى الهيمنة السيطرة فإنّ القرآن الحكيم كشاهد مسيطر يدل على مواقع الخطأ والصواب من الكتب السابقة كلّما حرّفوه دلّ عليه وكلّما زادوا أو نقصوا منهما أشار إليه وذلك لأنّ القرآن يبيّن كلّيات العقائد وأصول العبادة والمعاملة والأخلاق وفي الكتب السابقة مواقع كثيرة قد زاغت عن الحق بأيادي أثيمة يدلّ عليها القرآن ويشير إليها ((فَاحْكُم )) يارسول الله ((بَيْنَهُم ))، أي بين أهل الكتب السالفة أو بين اليهود ((بِمَا أَنزَلَ اللّهُ )) من الأحكام ومنها في رجم زنا المُحصن وقتل القاتل ((وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ ))، أي ما يشتهون من خلاف حُكم الله، فقد أحبّوا أن يحكم الرسول بخلاف الحق فيُفتي بجلد المُحصن الزاني وديّة القاتل ((عَمَّا جَاءكَ مِنَ الْحَقِّ ))، أي لا تزغ عما جاءك فإنّ معنى إتّباع أهوائهم : الزيغ عن الحق، وكثيراً ما يُشَرّب فعل معنى فعل فيتعدّى الفعل الأول بما يتعدّى به الفعل الثاني، كما ذكره المغني، ولما كان المقام يوهم إتحاد الديانات من جميع الحيثيات حيث أنّ الآيات السابقة أفادت تصديق كل نبي وكتاب لما سبقه فأيّة حاجة إذاً لإيمان اليهود والنصارى بالنبي والقرآن تعرّض السياق إلى إختلاف الشرائع والمناهج في الخصوصيات والمزايا وإن إتّحدت الجميع في الأصول والجوهر ((لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنكُمْ ))، أي لكل أمة منكم أيها اليهود والنصارى والمسلمون جعلنا ((شِرْعَةً ))، أي طريقة ((وَمِنْهَاجًا )) الشِرعة أول الطريق، والمنهاج الطريق المستقيم الذي يلزمه الإنسان في حياته ليسير عليه، وكان وجه تقديم (جعلنا) على (منكم) أنّ المقام مقام الجعل لا مقام ذِكر الأمم، وقد تقرّر في علم البلاغة أنّ المقدّم من الألفاظ هو الذي سيق له الكلام، يُقال : زيد جاء، إذا كان المقام مقام ذِكر زيد وأعماله، ويُقال : جاء زيد، إذا كان المقام ذكر الجائين ((وَلَوْ شَاء اللّهُ لَجَعَلَكُمْ )) أيها الأمم الثلاث ((أُمَّةً وَاحِدَةً)) بأن لا ينزل عليكم إلا كتاباً واحداً ولا يرسل إلا رسولاً واحداً ((وَلَكِن )) جعلكم على شرائع مختلفة ((لِّيَبْلُوَكُمْ ))، أي يمتحنكم ((فِي مَآ آتَاكُم ))، أي فيما فرضه عليكم وأعطاكم وشرع لكم حتى يتبيّن من يقبل الرسول اللاحق ومن لا يقبل ومن يعمل بأوامره تماماً ومن لا يعمل ((فَاسْتَبِقُوا )) أيتها الأمم ((الخَيْرَاتِ ))، أي يبادر بعضكم بعضاً في تحصيل الخيرات والعمل بما أمر الله ((إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ )) ومصيركم ((جَمِيعًا )) أيتها الأمم، وإنما سمّي مرجعاً تشبيهاً للمعقول بالمحسوس، وإلا فلا مكان لله سبحانه حتى يكون مبدءاً ومرجعاً ((فَيُنَبِّئُكُم ))، أي يخبركم ((بِمَا كُنتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ)) من أمور دينكم، وفي الإجمال ما لا يخفى من التهويل كما يقول الملك لرعيته : أعلّمك بما صنعت ثم يجازيكم حسب أعمالكم وعقائدكم .
تفسير تقريب القرآن إلى الأذهان
سورة المائدة
49
ثم كرّر سبحانه وجوب الحكم بين اليهود بما أنزل الله وقد كرّر ذلك لأنهم حكّموهو (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في قصتين : قصة الزنا وقصة القتل ((وَأَنِ احْكُم )) عطف على قوله في الآية السابقة (فاحكم) أو عطف على (الكتاب)، أي أنزلنا إليك الكتاب وأنزلنا إليك أن أُحكم ((بَيْنَهُم بِمَآ أَنزَلَ اللّهُ وَلاَ تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ )) وما يشتهون من خلاف حُكم الله ((وَاحْذَرْهُمْ )) يارسول الله، أي إحذر اليهود ((أَن يَفْتِنُوكَ ))، أي يضلّوك ((عَن بَعْضِ مَا أَنزَلَ اللّهُ إِلَيْكَ )) بأن تُفتي بغير ما أنزل الله، فقد ورد أنّ اليهود عرضوا على الرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن يؤمنوا له إذا تصالح منهم على التسامح في أحكام خاصة منها حُكم الرجم في الزاني المُحصن، وهذا التحذير للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ليس معناه أنه كان يعمل على الخلاف وإنما هو لبيان الحكم، كما يخاطب بقوله تعالى (أقِم الصلاة) ونحوه ((فَإِن تَوَلَّوْاْ ))، أي أعرضوا عن الحق ولم يقبلوا قولك وحكمك ((فَاعْلَمْ )) يارسول الله ((أَنَّمَا يُرِيدُ اللّهُ أَن يُصِيبَهُم بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ )) فإنّ التمرّد على الله ورسوله يوجب نكال الله سبحانه، فإنّ تمردهم عن حكمك موجب لأن يسخط الله عليهم فيأخذهم ببعض ما سلف من ذنوبهم، أو إنّ نفس التمرد نكال سبّبه بعض ذنوبهم السابقة، روي أنّ رجلاً قال للإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) : أنّي حُرمتُ صلاة الليل ، قال الإمام : "قيّدتكَ ذنوبك" ((وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ))، أي الخارجون عن طاعة الله، وهذا تسلية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) أن لا يغتم لعدم نفوذ حكمه .

_________________
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو
 
تفسير القران الكريم كامل
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 5 من اصل 12انتقل الى الصفحة : الصفحة السابقة  1, 2, 3, 4, 5, 6 ... 10, 11, 12  الصفحة التالية

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
EL-sew3a :: منتدى قصص الانبياء-
انتقل الى: